والحق تبارك وتعالى ينفي الشقاء بهذا المعنى أيضاً: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى} [طه: 2] أي: لتُشقي نفسك معهم ، إنما أنزلناه لتبليغهم فحسب ، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيراً في مثل قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6] وقوله: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] .
وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً ولله المثَل الأعلى برجل عنده عبدان: ربط أحدهما إليه بحبل ، وأطلق الآخر حُراً ، فإذا ما دعاهما فاستجابا لأمره ، فأيهما أطوع له ، وأكثر احتراماً لأمره؟
لا شكَّ أنه الحر الطليق ؛ لأنه جاء مختاراً ، في حين كان قادراً على العصيان .
وكذلك ربك تبارك وتعالى يريد منك أن تأتيه حُراً مختاراً مؤمناً ، وأنت قادر ألاَّ تؤمن .
والبعض يحلو لهم نقد الإسلام واتهام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقولون: إن رسول الله يخطئ والله يُصوِّب له ، ونتعجب: وما يضيركم أنتم؟ طالما أن ربه هو الذي يُصوِّب له ، هل أنتم الذين صَوَّبتم لرسول الله!؟ ثم مَنْ أخبركم بخطأ رسول الله؟ أليس هو الذي أخبركم؟ أليس هذا من قوة أمانته في التبليغ ويجب أن تحمد له؟
إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أنْ يُربِّيه ربه ؛ لذلك يقول:"إنما أنا بشر يَرِد عليَّ يعني من الحق فأقول: أنا لست كأحدكم ، ويُؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم".