وقوله: {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} (صفًا) مصدر قولك: صففت القوم فاصطفوا، إذا أقمتهم في الحرب صفًا، وهو في موضع الحال، أي: ثم جيئوا مصطفين. وقيل: {صَفًّا} موضعٌ كانوا يجتمعون فيه في الأعياد كالمصلى ونحوه، فهو على هذا مفعول به.
{قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) } :
قوله عز وجل: {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ} (إِما) للتخيير، وأن والفعل في تأويل المصدر، ومحله إما رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا، أو نصب بفعل مضمر، أي: إما أن تحدث الإلقاء أولًا أو نحدثه نحن وشبهه، وقد ذكر في"الأعراف".
وقوله: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ} (إذا) للمفاجأة، وهي مكانية، أي: وهناك حبالهم، فحبالهم: مبتدأ وما قبله خبره، وهو {فَإِذَا} ، و {يُخَيَّلُ} خبر بعد
خبر. ولك أن تجعل {يُخَيَّلُ} هو الخبر، و {إِذَ} ظرفًا للخبر.
وقرئ: {يُخَيَّلُ} بالياء النقط من تحته، وهو مسند إلى قوله: {أَنَّهَا تَسْعَى} أي: يخيل إلى موسى - عليه السلام - سعيها. وقيل: هو في موضع نصب على تقدير: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، والقائم مقام الفاعل على هذا {إِلَيْهِ} أو المصدر.
وقرئ: (تخيل) بالتاء النقط من فوقه، على أنه مسند إلى ضمير الحبال والعصي، و {أَنَّهَا} بدل منه، أعني من الضمير في (تخيل) الراجع إلى الحبال والعصي، وهو بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد حسنه وكرمه. وقد جوز أن يكون القائم مقام الفاعل على هذه القراءة {أَنَّهَا تَسْعَى} وأُنِّثَ لِتَضَمُّن الجملة لفظ التأنيث.
وقرئ: (عُصِيُّهُم) بالضم وهو الأصل والكسر إتباع.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون {يُخَيَّلُ} على قراءة من قرأ بالياء النقط من تحته مسندًا إلى ضمير الحبال والعصي؟ قلمت: نعم، وذُكّر على تأويل ضمير الجمع، أو على تأويل المذكور، أو المُلْقى. و {أَنَّهَا تَسْعَى} على الوجهين: إما على البدل من الضمير، أو على تأويل بأنها. والتَّخْيِيل: التَّشْبِيه، يقال: