وقال ابن الأنباري مصححًا قول الفراء منكرًا على الزجاج: (تلخيص قول الفراء كهيعص ابتداء ذكر رحمة ربك، وتقدمه ذكر رحمة ربك ثم حذف المضاف، وافتتاح الشيء داخل فيه ومحسوب من جملته) . والمراد بالرحمة هاهنا: إجابة الله تعالى زكريا حين دعاه وسأله الولد. وانتصب قوله:"عبده"بالذكر، ومعنى الآية على التقديم والتأخير تقديرها: ذكر ربك عبده بالرحمة، هذا قول الفراء، والزجاج، وصاحب النظم.
وقال الأخفش: (انتصب العبد بالرحمة كما نقول: هذا ذكر ضرب زيد عمرا) . وهذا هو الوجه؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة رحمته زكريا بإجابة دعائه، وليس يحتاج في هذا القول تقدير التقديم والتأخير.
3 -قوله تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} بمعنى: الخافي، يقال:
خفي الشيء يخفى، خفاء، فهو خاف، وخفي كما يقال: سامع وسميع. قال ابن عباس: (يريد يخفي ذلك في نفسه) . قال ابن جريج: (لا يريد رياء) .
وهذا يدل على أن المستحب في الدعاء الإخفاء. قال الحسن: (وقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله - عز وجل - يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] . وذكر الله عبدا صالحًا ورضي قوله فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} وقال الكلبي:(أخفاه وأسره عن قومه لئلا يسمعوه) . وهذا يقرب من قول من قال: إنما أخفى؛ لأنه خاف أن يلام على مسألته الولد عند كبر سنه فدعاء الله خفيا من قومه. وهذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكلبي، ومقاتل بن سليمان قالا: (إنما أخفى نداءه استيحاء من أن يرى الناس شيخا كبيرا يتمنى الولد ويحب أن يرزقه) .