ثم ذكر حال من كفاه وهداه فقال: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ} فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سألِه فاحتمل وجهين:
أحدهما: أنه رحمه بإجابته له.
الثاني: أنه إجابة لرحمته له.
قوله تعالى: {.... نِدآءً خَفِيّاً} [فيه قولان] .
أحدهما: قاله ابن جريج ، سراً لا رياء فيه. قال قتادة إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي فأخفى زكريا نداءه لئلا ينسب إلى الرياء فيه.
الثاني: قاله مقاتل ، إنما أخفى لئلا يهزأ الناس به ، فيقولون انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد.
ويحتمل ثالثاً: أن إخفاء الدعاء أخلص للدعاء وأرجى للإِجابة للسنة الواردة فيه: إن الذي تدعونه ليس بأصم.
قوله تعالى: {... إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} أي ضعف وفي ذكره وهن العظم دون اللحم وجهان:
أحدهما: أنه لما وهن العظم الذي هو أقوى كان وهن اللحم والجلد أولى.
الثاني: أنه اشتكى ضعف البطش ، والبطش إنما يكون بالعظم دون اللحم.
{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} هذا من أحسن الاستعارة لأنه قد ينشر فيه الشيب كما ينشر في الحطب شعاع النار.
{وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أي خائباً ، أي كنت لا تخيبني إذا دعوتك ولا تحرمني إذا سألتك.
قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ...} فيهم أربعة أقاويل:
أحدها: العصبة ، قاله مجاهد وأبو صالح.
الثاني: الكلالة ، قاله ابن عباس.
الثالث: الأولياء أن يرثوا علمي دون من كان من نسلي قال لبيد:
ومولى قد دفعت الضيم عنه... وقد أمسى بمنزلةِ المُضيمِ
الرابع: بنو العلم لأنهم كانواْ شرار بني إسرائيل.
وسموا موالي لأنهم يلونه في النسب لعدم الصلب.
وفيما خافهم عليه قولان:
أحدهما: أنه خافهم على الفساد في الأرض.
الثاني: أنه خافهم على نفسه في حياته وعلى أشيائه بعد موته.