قوله عز وجل: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} الجمهور على ضم قوله: {أَيُّهُمْ} وفيه وجهان:
أحدهما: ضمةُ بناء، وهو مذهب صاحب الكتاب رحمه الله، وهي مبنية عنده لنقصها، وعدم تمامها، وذلك أن {أَيُّهُمْ} هنا بمعنى الذي عنده، تحتاج إلى صلة وعائد يعود إليها من صلتها كسائر الموصولات، والتقدير عنده: أيهم هو أشد، فحذف (هو) ، فلما حذف صدر الجملة التي هي صلتها نقصت، فبُنيت لخروجها عن نظائرها, لأن الصلة توضح الموصول وتبينه، كما أن حذف المضاف إليه (من قبل ومن بعد) يوجب بناء المضاف إذا كان المضاف إليه موضحًا ومُخَصِّصًا للمضاف ومعرِّفًا له، ولو أُظهر العائد فقيل: أيهم هو أشد، أعربت، وإنما أعربت حملًا على نظيرها ونقيضها، فنظيرها: (بعض) ، ونقيضها: (كل) وكلاهما معرب، وإذا حذف العائد منها
رجعت إلى أصلها وهو البناء، ولا يجوز حذف (هو) مع (من) ، ويقبح حذفه مع الذي، وقرئ: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع، على تقدير حذف صدر الصلة وهو: (هو) . وحذف (هو) مع (من) لا يجوز، ومع (الذي) قبيح، ومع (أي) حسن.
والثاني: ضمة إعراب وفيها أوجه:
أحدها: أنها مبتدأ، و {أَشَدُّ} خبره، وارتفاعها على الحكاية، وهو مذهب الخليل - رحمه الله - والتقدير: لننزعن من كل شيعة الذي يقال له لعتوه: أيهم أشد؟ فحذف القول وما اتصل به، فـ {أَيُّهُمْ} على مذهبه استفهام.
والثاني: كذلك في كونها مبتدأ وخبرًا واستفهامًا، وهو مذهب يونس - رحمه الله -، غير أن الفعل الذي هو {لَنَنْزِعَنَّ} مُعَلَّقٌ عن العمل في الجملة، وإنما عُلِّقَ, لأن معناه يعود إلى التمييز الذي من باب العلم والظن، [فكما جاز تعليق العلم والظن] في قولك: علمت أيهم في الدار، وقوله: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} ، كذلك جاز تعليق النزع.
والثالث: أن النزع واقع على {مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} و (من) صلة، والجملة مستأنفة، و (أي) استفهام، وهو مذهب أبي الحسن والكسائي رحمهما الله. وصاحب الكتاب لا يرى زيادة (من) في الواجب، وقد ذكر فيما
سلف من الكتاب.
وذكر فيها أوجه أخر أضربت عنهن لعدم الفائدة فيهن.