واعلم أن المثبت لله - عز وجل - صفتا السمع والبصر وأنه {ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (61) [الحج: 61] يسمع ويبصر لا إثبات الجارحة كالعين والأذن، والإنسان إنما يسمع ويبصر بقوة السمع والبصر لا بالأذن والعين، بل هما محل لتلك القوة، فنظير تلك القوة في حق الله - عز وجل - نسميها صفة له، وهي مجردة من غير جارحة.
{يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا} (43) [مريم: 43] فيه جواز بل وجوب تقليد العامي للعالم الثقة الأمين.
يقال: بل عذب فعصى، ما سبق من قول القائل: وقع فلان فمات، فقيل: بل مات فوقع.
ولعلك تنكر أن تعلق العلم بشيء موجب له فقد سبق أن الإرادة والقدرة لا يتعلقان إلا بما يتعلق/ [284/ل] به العلم، ومجموع هذه التعلقات موجبة لوقوع متعلقها.
{قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا} (47) [مريم: 47] هذا وعد بالاستغفار وفى به في قوله: {وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ} (86) [الشعراء: 86] فلما أصر أبوه وتبين إبراهيم أنه عدو لله تبرأ منه كما سبق.
{وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا} (53) [مريم: 53] وسماه في موضع آخر وزيرا وفى موضع رسولا، وكان جامعا للصفات الثلاث، ولكن موسى كان في الدعوة أشهر منه.