وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمَا، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: هُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ إِنكارَ مُوسَى عَلَى الْعَالِمِ خَرْقَ السَّفِينَةِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِغَرَقِ أَهْلِهَا إِذَا أَحْدَثَ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَدَثَ فِيهَا فَلَا خِفَاءَ عَلَى أَحَدٍ مَعْنَى ذَلِكَ قُرِئَ بِالتَّاءِ وَنَصْبِ الْأَهْلِ، أَوْ بِالْيَاءِ وَرَفْعِ الْأَهْلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) }
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: {قَالَ} الْعَالِمُ لِمُوسَى إِذْ قَالَ لَهُ مَا قَالَ {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيِعَ مَعِيَ صَبْرًا} عَلَى مَا تَرَى مِنْ أَفْعَالِي، لِأَنَّكَ تَرَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قَالَ لَهُ مُوسَى: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْعَالِمِ مُعَارَضَةً لَا أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ عَهْدَهُ، وَمَا كَانَ تَقَدَّمَ فِيهِ حِينَ اسْتَصْحَبَهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} .
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمْ يَنْسَ، وَلَكِنَّهَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِتَرْكِي عَهْدِكَ، وَوُجِّهَ أَنَّ مَعْنَى النِّسْيَانِ: التُّرْكُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} أَيْ بِمَا تَرَكْتُ مِنْ عَهْدِكَ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مُوسَى سَأَلَ صَاحِبَهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ بِمَا نَسِيَ فِيهِ عَهْدَهُ مِنْ سُؤَالِهِ إِيَّاهُ عَلَى وَجْهِ مَا فَعَلَ وَسَبَبُهُ لَا بِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ، وَهُوَ لِعَهْدِهِ ذَاكِرٌ لِلصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ مِنَ الْخَبَرِ