وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو: {من لدنا} بتخفيف النون، وهي لغة في لدن، وهي الأصل: قيل: وقد أولع كثير ممن ينتمي إلى الصلاح ادّعاء هذا العلم، ويسمونه العلم اللدني، وأنه يلقى في روع الصالح منهم شيء من ذلك، حتى يخبر بأن من كان من أصحابه، هو من أهل الجنة، على سبيل القطع، وأن بعضهم يرى الخضر، وقرأ الحسن، والزهري، وأبو بحرية، وابن محيصن، وابن مناذر، ويعقوب، وأبو عبيد، واليزيدي {رشدا} بفتحتين، وهي قراءة أبي عمرو من السبعة، وقرأ باقي السبعة بضم الراء، وإسكان الشين، وهما لغتان: كالبخل والبخل. وفي الآية دليل على أن المتعلّم تبع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن المفضول، وقد يأخذ الفاضل عن الفاضل إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن.
67 - {قالَ} الخضر لموسى: {إِنَّكَ} يا موسى {لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ؛ أي: لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك، فإني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه لا أعلمه أنا،
68 -ثم أكد ذلك مشيرا إلى علة عدم الاستطاعة، فقال: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ} يا موسى، وتسكت {عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} ؛ أي: علمًا و {خُبْرًا} تمييز محول عن الفاعل؛ أي: لم يحط به خبرك؛ أي: علمك، والخبر: العلم بالشيء، والخبير بالأمور: هو العالم بخفاياها، وبما يحتاج إلى الاختبار منها، والاستفهام فيه إنكاري، بمعنى النفي، وقرأ الحسن، وابن هرمز {خبرا} بضم الباء؛ أي: وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور، ظواهرها منكرة، وبواطنها مجهولة، والرجل الصالح العالم لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك، بل يبادر بالإنكار،