{آتَيْناهُ} ؛ أي: أعطيناه {رَحْمَةً} ؛ أي: نبوة ووحيا كائنة {مِنْ عِنْدِنا} وفضلنا، كما يشعر به تنكير الرحمة واختصاصه بجناب الكبرياء، وقال الإمام مسلم: إن النبوة رحمةٌ كما في قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} ونحوه، ولكن لا يلزم أن تكون الرحمة نبوةً، فالرحمة هنا: هي طول العمر على قول من ذهب إلى عدم نبوته، وقيل: الرحمة: النعمة التي أنعم الله بها عليه {وَعَلَّمْناهُ} ؛ أي: علمنا ذلك العبد {مِنْ لَدُنَّا} ؛ أي: من جنابنا، {عِلْمًا} خاصًّا حاصلًا له بلا واسطة معلم، ولا إرشاد مرشد، وهو: ما علمه الله سبحانه من علم الغيوب والإخبار عنها بإذنه تعالى، على ما ذهب إليه ابن عباس - رضي الله عنهما - أو علم الباطن.
قال السمرقندي: إنما قال: {مِنْ لَدُنَّا} مع أن العلوم كلها من لدنه، لأن بعضها بواسطة تعليم الخلق، فلا يسمى ذلك علمًا لدنيًا، بل العلم اللدني: هو الذي ينزله في القلب من غير واسطة أحد، ولا سبب مألوف من خارج، كما كان لعمر، وعليٍّ، ولكثير من أولياء الله المرتضين، الذين فاقوا بالشوق والزهد على كل من سواهم.
قال الزجاج: وفيما فعل موسى، وهو من أجلّة الأنبياء، من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه، ولذا ورد: أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.