ومقام الأنبياء في تغيير المنكر مقام شدة وصراحة.
ولم يجعله نكراً كما في الآية بعدها لأن العلم الذي عمله الخضر ذريعة للغرق ولم يقع الغرق بالفعل.
وقرأ الجمهور {لتغرق} بمثناة فوقية مضمومة على الخطاب.
وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف {ليَغرق} بتحتية مفتوحة ورفع {أهلها} على إسناد فعل الغرق للأهل.
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)
استفهام تقرير وتعريض باللوم على عدم الوفاء بما التزم ، أي أَتُقِرّ أني قلتُ إنك لا تستطيع معي صبراً.
و {معي} ظرف متعلق بـ {تستطيع} ، فاستطاعة الصبر المنفية هي التي تكون في صحبته لأنه يرى أموراً عجيبة لا يدرك تأويلها.
وحُذف متعلق القول تنزيلاً له منزلة اللازم ، أي ألم يقع مني قول فيه خطابك بعدم الاستطاعة.
{قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) }
اعتذر موسى بالنسيان وكان قد نسي التزامه بما غشي ذهنه من مشاهدة ما ينكره.
والنهي مستعمل في التعطف والتماس عدم المؤاخذة ، لأنه قد يؤاخذه على النسيان مؤاخذةَ من لا يَصلح للمصاحبة لما ينشأ عن النسيان من خطر.
فالحَزامة الاحتراز من صحبة من يطرأ عليه النسيان ، ولذلك بني كلام موسى على طلب عدم المؤاخذة بالنسيان ولم يبن على الاعتذار بالنسيان ، كأنه رأى نفسه محقوقاً بالمؤاخذة ، فكان كلاماً بديع النسيج في الاعتذار.
والمؤاخذة: مفاعلة من الأخذ ، وهي هنا للمبالغة لأنها من جانب واحد كقوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} [النحل: 61] .
و (ما) مصدرية ، أي لا تؤاخذني بنسياني.
والإرهاق: تعدية رهق ، إذا غشِي ولحق ، أي لا تُغشِّني عسراً.
وهو هنا مجاز في المعاملة بالشدة.
والإرهاق: مستعار للمعاملة والمقابلة.
والعسر: الشدة وضد اليسر.
والمراد هنا: عسر المعاملة ، أي عدم التسامح معه فيما فعله فهو يسأله الإغضاء والصفح.
والأمر: الشأن.