قَالَ بَعْضُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: إِنَّ الْحُوتَ كَانَ مَعَ يُوشَعَ، وَهُوَ الَّذِي نَسِيَهُ، فَأُضِيفَ النِّسْيَانُ إِلَيْهِمَا، كَمَا قَالَ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلْحِ دُونَ الْعَذْبِ، وَإِنَّمَا جَازَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: {نَسِيَا} لِأَنَّهُمَا كَانَا جَمِيعًا تَزَوَّدَاهُ لِسَفَرِهِمَا، فَكَانَ حَمْلُ أَحَدِهِمَا ذَلِكَ مُضَافًا إِلَى أَنَّهُ حَمَلَ مِنْهُمَا، كَمَا يُقَالُ: خَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا، وَحَمَلُوا مَعَهُمْ كَذَا مِنَ الزَّادِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ أَحَدُهُمَا وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيهِمْ وَأَمْرِهِمْ أُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِهِمْ، فَكَذَلِكَ إِذَا نَسِيَهُ حَامِلُهُ فِي مَوْضِعٍ قِيلَ: نَسِيَ الْقَوْمُ زَادَهُمْ، فَأُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى الْجَمِيعِ بِنِسْيَانِ حَامِلِهِ ذَلِكَ، فَيَجْرِي الْكَلَامُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالْفِعْلُ مِنْ وَاحِدٍ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ خَاطِبَ الْعَرَبَ بَلَغْتُهَا، وَمَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِخِلَافِ مَا قَالَ فِيهِ، وَسَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الْحُوتَ اتَّخَذَ طَرِيقَهُ الَّذِي سَلَكَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: الْحُوتُ اتَّخَذَ، وَيَعْنِي بِالسَّرَبِ: الْمَسْلَكُ وَالْمَذْهَبُ، يَسْرُبُ فِيهِ: يَذْهَبُ فِيهِ وَيَسْلُكُهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَةِ اتِّخَاذِهِ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَارَ طَرِيقُهُ الَّذِي يَسْلُكُ فِيهِ كَالْحَجَرِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ فَرَأَى أَثَرَ جَنَاحَيْهِ فِي الطِّينِ حِينَ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} وَحَلَّقَ بِيَدِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ صَارَ طَرِيقُهُ فِي الْبَحْرِ مَاءً جَامِدًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ صَارَ طَرِيقُهُ فِي الْبَحْرِ حَجَرًا