وَفَرَّقَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ. وَجَعَلَهُمَا مِنْ عِنْدِهِ وَمِنْ لَدُنْهُ إِذْ لَمْ يَنُلْهُمَا عَلَى يَدِ بِشْرٍ، وَكَانَ مِنْ لَدُنْهُ أَخَصَّ وَأَقْرَبَ مِنْ عِنْدِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] فَالْسُلْطَانُ النَّصِيرُ الَّذِي مِنْ لَدُنْهُ سُبْحَانَهُ: أَخُصُّ وَأَقْرَبُ مِمَّا عِنْدَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] .
وَهُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ بِهِ. وَالَّذِي مِنْ عِنْدِهِ: نَصْرُهُ بِالْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] .
وَالْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ ثَمَرَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْمُتَابَعَةِ، وَالصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَبَذْلِ الْجُهْدِ فِي تَلَقِّي الْعِلْمِ مِنْ مِشْكَاةِ رَسُولِهِ. وَكَمَالِ الِانْقِيَادِ لَهُ. فَيَفْتَحُ لَهُ مِنْ فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَمْرٍ يَخُصُّهُ بِهِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ سُئِلَ هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ؟ - فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسْمَةَ. إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ.
فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ الْحَقِيقِيُّ، وَأَمَّا عِلْمُ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِمَا: فَهُوَ مِنْ لَدُنِ النَّفْسِ وَالْهَوَى، وَالشَّيْطَانِ، فَهُوَ لَدُنَّيٌّ. لَكِنْ مِنْ لَدُنْ مَنْ؟ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ كَوْنُ الْعِلْمِ لَدُنَّيًّا رَحْمَانِيًّا: بِمُوَافَقَتِهِ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَالْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ نَوْعَانِ: لَدُنِّيٌّ رَحْمَانِيٌّ، وَلَدُنِّيٌّ شَيْطَانِيٌّ بَطْنَاوِيٌّ. وَالْمَحَكُّ: هُوَ الْوَحْيُ. وَلَا وَحْيَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.