يُرِيدُ: أَنَّ لِلْعِلْمِ عَلَامَةً قَبْلَهُ، وَعَلَامَةً بَعْدَهُ، فَعَلَامَتُهُ قَبْلَهُ: مَا قَامَ بِهِ الدَّلِيلُ. وَعَلَامَتُهُ بَعْدَهُ: رَفْعُ الْجَهْلِ.
[دَرَجَاتُ الْعِلْمِ]
[الدَّرَجَةُ الْأُولَى عِلْمٌ جَلِيٌّ]
قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثٍ دَرَجَاتُ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: عِلْمٌ جَلِيٌّ. بِهِ يَقَعُ الْعِيَانُ. وَاسْتِفَاضَةٌ صَحِيحَةٌ، أَوْ صِحَّةُ تَجْرِبَةٍ قَدِيمَةٍ.
يُرِيدُ بِالْجَلِيِّ: الظَّاهِرَ، الَّذِي لَا خَفَاءَ بِهِ. وَجَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ.
أَحَدُهَا: مَا وَقَعَ عَنْ عِيَانٍ. وَهُوَ الْبَصَرُ.
وَالثَّانِي: مَا اسْتَنَدَ إِلَى السَّمْعِ. وَهُوَ عِلْمُ الِاسْتِفَاضَةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا اسْتَنَدَ إِلَى الْعَقْلِ. وَهُوَ عِلْمُ التَّجْرِبَةِ.
فَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ - وَهِيَ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالْعَقْلُ - هِيَ طُرُقُ الْعِلْمِ وَأَبْوَابُهُ وَلَا تَنْحَصِرُ طُرُقُ الْعِلْمِ فِيمَا ذَكَرَهُ. فَإِنَّ سَائِرَ الْحَوَاسِّ تُوجِبُ الْعِلْمَ.
وَكَذَا مَا يُدْرَكُ بِالْبَاطِنِ. وَهِيَ الْوِجْدَانِيَّاتُ.
وَكَذَا مَا يُدْرَكُ بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ الصَّادِقِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا.
وَكَذَا مَا يَحْصُلُ بِالْفِكْرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَجْرِبَةٍ.
فَالْعِلْمُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَقَطْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْرِفَةِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لُبُّ الْعِلْمِ، وَنِسْبَةُ الْعِلْمِ إِلَيْهَا كَنِسْبَةِ الْإِيمَانِ إِلَى الْإِحْسَانِ. وَهِيَ عِلْمٌ خَاصٌّ، مُتَعَلِّقُهَا أَخْفَى مِنْ مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ وَأَدَقُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ الْعِلْمُ الَّذِي يُرَاعِيهِ صَاحِبُهُ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ. فَهِيَ عِلْمٌ تَتَّصِلُ بِهِ الرِّعَايَةُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ شَاهِدٌ لِنَفْسِهَا، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمُورِ الْوِجْدَانِيَّةِ، الَّتِي لَا يُمْكِنُ صَاحِبُهَا أَنْ يَشُكَّ فِيهَا، وَلَا يَنْتَقِلَ عَنْهَا.
وَكَشْفُ الْمَعْرِفَةِ أَتَمُّ مِنْ كَشْفِ الْعِلْمِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ عِلْمٌ خَفِيٌّ]
فَصْلٌ