أَي أن مَنْ يرشده الله سبحانه إرشادا يوصلُه إلى الحق، فهو الواصل إليه لا محالة، لأن نفسه مستسلمة إِلى إرشاد الله، ومستجيبة لآياته ودلاتله، ومن كان كذلك فله الجزاءُ الكريم في الدنيا والآخرة، أما من يصرفه الله ويبعده عن الهدى لأنه اتَّجَه بسوء اختياره إِلى الضلال وأوغل فيه، فلن تجد له معينا يرشده ويهديه إلى الحق، ويأخذ بيده إلى سواء السبيل.
وقَد أَفادت هذه الجملة من الآية الثناء على أهل الكهف والشهادة لهم بإِصابة الهدى والرشاد، وأَن ذلك كان بتوفيق الله وهدايته لهم، لسلامة فطرتهم، وصفاء قلوبهم وعقولهم وانصرافهم عن تقليد آبائهم، إلى اتباع آيات الهدى والرشاد، وأما غيرهم من عبدة الأوثان، فقد اتبعوا هَوَاهم، وأعرضوا عن هُداهم، فتخلى الله عنهم، لأن سنة الله أن من يقبل على الله يهده الله، ومن ينصرف عن هداه، فهو متورط في الضلال، وليس له سبيل إِلى الهدى، ولا معين له على الوصول إليه، بعد أن تخلى الله عن إنقاذه، لإصراره على الضلالة.
18 - {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} : وتظنهم أيها الناظر إليهم أَيقاظا وهم نيام - تظنهم كذلك - لانفتاح عيونهم، وقال ابن عطية: تحسبهم أيفاظا لشدة الحفظ الذي كان من الله عليهم وقلة تغيرهم؛ لأن الغالب على النيام استرخاءُ الأعضاءِ وهيْئَاتٌ معينة، فإِن لم توجد حَسِبَهُم الرائِي أيقاظًا وإن كانت عيونهم مقفلة، والرأي الأَول هو الظاهر.
{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} : ونقلبهم - وهم رَقُودٌ - جهة أيمانهم وجهة شمائلهم حِفْظًا لأجسادهم من البلى والضرر، على نحو ما جرت به العادة في النائمين، أَو لكي يدرك من يراهم وقد طال نومهم أَنهم أحياءٌ، فلا يسد الكهف عليهم ويدفنهم فيه، أَو لغير ذلك من حكم يعلمها خالقهم.
{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} : أَي أن كلب أَصحاب الكهف مادٌّ ذراعيه وهو جالس على مُؤخّرته بفِناء الكهف أو بمدخله كأنما هو يحرسهم وهم نيام.