أَفادت الآية التي قبلها أن بعضهم أشار عليهم بعد اعتزالهم قومهم المشركين، أن يأووا إِلى الكهف رجاءَ أَن يبسط الله لهم من رحمته بعد فرارهم بدينهم، وأَن يسهل لهم من أمرهم ما يرتفقون به، وقد جاءَت هذه الآية لتُبيِّن حالهم بعد أن أوَوْا إِلى الكهف استجابة لمشورة أحدهم، وقد حدث بعد لجوئهم إِلى الكهف أَنهم ناموا, ولم يذر بخلدهم ماذا يكون من أَمرهم بعد نومهم من عجائب الأمور، فضرب الله على آذانهم حِجابًا كثيفًا يمنع سماعهم لما يجري حولهم، بأَن جعل نومهم عميقًا يشبه رقود الموتى ولم يصرح بذلك هنا اكتفاء بإِجمال حالهم من قبل في قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} . والخطاب في قوله تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ} إِمَّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما لكل أَحد، إِيذانًا بغاية ظهوره والمعنى:
وترى أَيها الباحث عن حالهم في كهفهم - ترى - الشمس إذا طلعت تتزاور وتتنحى عن كهفهم جهة يمين الداخل إِليه، وتراها عند غروبها تعدل عنه ولا تدخله جهة الشمال،
مع أَنهم في متسع من الكهف، بحيث يمكن معه أَن يصلهم شعاع الشمس، ولكن الله تعالى حماهم من حرِّها فأبعد شعاعها عنهم حتى لا تؤذيهم بحرارتها طول النهار وكرامةً لهم، في حين أَنه سبحانه جعل الهواء يدخل إِليهم، لتبقى حياتهم إِلى حين بعثهم من رقادهم.
{ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ} : أي ذلك الذي حدث من تحول أَشعة الشمس عنهم، وعدم وصول ضوئها الحارِّ إليهم طَوَالَ النهار - كل يوم مدة رقودهم - مع اتساع مدخل الكهف وصلاحيته لتوصيل أشعة الشمس إليهم - ذلك كله - من آيات الله العظيمة الدالة على كمال قدرته وحكمته في تدبيره، حيث أبطل حكم العادة، ليعم الناس أن الحكم لله لا للأسباب العادية، كما أَنها من آيات الله على كرامة أَهل الكهف ومنزلتهم لديه، وأنه تعالى يحمى أولياءه، ويكرم أصفياءه.
{مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} :