حَتَّى تَرَاهُ فِي عَارِضَيْ مَلِكٍ ... وَمَوْضِعُ التَّاجِ مِنْ مَفَارِقِهِ
وَلْيَكُنْ مُقْتَدِيًا بِهِمْ فِي أَخْلَاقِهِمْ، مُتَشَبِّهًا بِهِمْ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِمْ؛ لِيَصِيرَ لَهَا آلِفًا، وَعَلَيْهَا نَاشِئًا، وَلِمَا خَالَفَهَا مُجَانِبًا. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خِيَارُ شُبَّانِكُمْ الْمُتَشَبِّهُونَ بِشُيُوخِكُمْ وَشِرَارُ شُيُوخِكُمْ الْمُتَشَبِّهُونَ بِشُبَّانِكُمْ» .
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» .
وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ:
الْعَالِمُ الْعَاقِلُ ابْنُ نَفْسِهِ ... أَغْنَاهُ جِنْسُ عِلْمِهِ عَنْ جِنْسِهِ
كُنْ ابْنَ مَنْ شِئْت وَكُنْ مُؤَدَّبًا ... فَإِنَّمَا الْمَرْءُ بِفَضْلِ كَيْسِهِ
وَلَيْسَ مَنْ تُكْرِمُهُ لِغَيْرِهِ ... مِثْلَ الَّذِي تُكْرِمُهُ لِنَفْسِهِ
وَلْيَحْذَرْ الْمُتَعَلِّمُ الْبَسْطَ عَلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ وَإِنْ آنَسَهُ، وَالْإِدْلَالَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ صُحْبَتُهُ.
قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَذَلُّ النَّاسِ؟ فَقَالَ: عَالِمٌ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ جَاهِلٍ. «وَكَلَّمَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَارِيَةٌ مِنْ السَّبْيِ فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: بِنْتُ الرَّجُلِ الْجَوَادِ حَاتِمٍ.
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ارْحَمُوا عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ، ارْحَمُوا غَنِيًّا افْتَقَرَ، ارْحَمُوا عَالِمًا ضَاعَ بَيْنَ الْجُهَّالِ».
وَلَا يُظْهِرُ لَهُ الِاسْتِكْفَاءَ مِنْهُ وَالِاسْتِغْنَاءَ عَنْهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ كُفْرًا لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ. وَرُبَّمَا وَجَدَ بَعْضُ الْمُتَعَلِّمِينَ قُوَّةً فِي نَفْسِهِ لِجَوْدَةِ ذَكَائِهِ وَحِدَةِ خَاطِرِهِ، فَقَصَدَ مَنْ يُعَلِّمُهُ بِالْإِعْنَاتِ لَهُ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ إزْرَاءً بِهِ وَتَبْكِيتًا لَهُ، فَيَكُونُ كَمَنْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْمَثَلُ السَّائِرُ لِأَبِي الْبَطْحَاءِ:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فَلَمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي