لفظة إن كان كذا تفيد الشك فقوله: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا} معناه ستجدني صابراً إن شاء الله كوني صابراً، وهذا يقتضي وقوع الشك في أن الله هل يريد كونه صابراً أم لا.
ولا شك أن الصبر في مقام التوقف واجب، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه، وهذا يدل على صحة قولنا: إن الله تعالى قد يأمر بالشيء مع أنه لا يريده، قالت المعتزلة: هذه الكلمة إنما تذكر رعاية للأدب فيما يريد الإنسان أن يفعله في المستقبل فيقال لهم هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب، وإن فسد فأي أدب في ذكر هذا الكلام الباطل؟
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: {وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً} يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب لأن تارك المأمور به عاص بدلالة هذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23] وهذا يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب.
المسألة الرابعة:
قول الخضر لموسى عليه السلام: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} نسبة إلى قلة العلم والخبر، وقول موسى له: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً} تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع الشديد، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم إظهار التواضع بأقصى الغايات، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير.
فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة وذلك يمنعه من التعلم ثم قال: {فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَئ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي لا تستخبرني عما تراه مني مما لا تعلم وجهه حتى أكون أنا المبتدئ لتعليمك إياه وإخبارك به، وفي قراءة ابن عامر فلا تسألن محركة اللام مشددة النون بغير ياء.
وروى عنه لا تسألني مثقلة مع الياء وهي قراءة نافع، وفي قراءة الباقين لا تسألن خفيفة والمعنى واحد. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 21 صـ 126 - 131}