{بَلَغَا} أي: موسى وفتاه {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي: مجمع البحرين {نَسِيَا حُوتَهُمَا} أي: حدث النسيان منهما معاً ، وإنْ كان حمل الحوت منوطاً بفتى موسى وقد نسيه ، فكان على موسى أنْ يُذكِّره به ، فرئيس القوم لا بُدَّ أن يتنبه لكل جزئية من جزئيات الرَّكْب ، وكانت العادة أنْ يكون هو آخر المبارحين للمكان ليتفقده وينظر لعل واحداً نسى شيئاً ، إذن: كان على موسى أن يعقب ساعة قيامهم لمتابعة السير ، ويُذكِّر فتاهُ بما معهم من لوازم الرحلة .
والحوت: نوع من السمك معروف ، وفي بعض البلاد يُطلِقون على كل سمك حُوتاً ، وقد أعدُّوه للأكل إذا جاعوا أثناء السير ، وكان الفتى يحمله وهو مشوي في مكتل .
وقوله تعالى: {فاتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر سَرَباً} [الكهف: 61] أي: خرج الحوت المشوي من المكتل ، وتسرَّب نحو البحر ، والسَّرَب: مثل النفق أو السرداب ، أو هو المنحدر ، كما نقول: تسرب الماء من القِرْبة مثلاً ؛ ذلك لأن مستوى الماء في القِرْبة أعلى فيتسرَّب منها ، وهذه من عجائب الآيات أن يقفز الحوت المشويّ ، وتعود له الحياة ، ويتوجّه نحو البحر ؛ لأنه يعلم أن الماء مسكنه ومكانه .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا ...} .
أي: جاوزا في سيرهما مجمع البحرين ومكان الموعد ، قال موسى عليه السلام لفتاه: أحضر لنا الغداء فقد تعبنا من السفر ، والنَّصَب: هو التعب .
فمعنى ذلك أنهما سارا حتى مجمع البحرين ، ثم استراحا ، فلما جاوزا هذا المكان بدا عليهما الإرهاق والتعب ؛ لذلك طلب موسى الطعام . وهنا تذكَّر الفتى ما كان من نسيان الحوت .
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)