يريد أنْ يُعلمه سبيل الإيمان في استقبال النعمة ، بأنْ يردَّ النعم إلى المنعم ؛ لأن النعمة التي يتقلّب فيها الإنسان لا فضْلَ له فيها ، فكلها موهوبة من الله ، فهذه الحدائق والبساتين كيف آتتْ أُكُلها؟ إنها الأرض التي خلقها الله لك ، وعندما حرثْتها حرثْتها بآلة من الخشب أو الحديد ، وهو موهوب من الله لا دَخْلَ لك فيه ، والقوة التي أعانتك على العمل موهوبة لك يمكن أن تُسلبَ منك في أيِّ وقت ، فتصير ضعيفاً لا تقدر على شيء .
إذن: حينما تنظر إلى كُلِّ هذه المسائل تجدها منتهيةً إلى العطاء الأعلى من الله سبحانه .
خُذْ هذا المقعد الذي تجلس عليه مستريحاً وهو في غاية الأناقة وإبداع الصَّنْعة ، من أين أتى الصُّنّاع بمادته؟ لو تتبعتَ هذا لوجدته قطعةَ خشب من إحدى الغابات ، ولو سألتَ الغابة: من أين لك هذا الخشب لأجابتْك من الله .
لذلك يُعلّمنا الحق سبحانه وتعالى الأدب في نعمته علينا ، بقوله: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} [الواقعة: 63 - 64]
هذه الحبة التي بذرتها في حقلك ، هل جلستَ بجوارها تنميها وتشدّها من الأرض ، فتنمو معك يوماً بعد يوم؟ إن كل عملك فيها أن تحرث الأرض وتبذر البذور ، حتى عملية الحرث سخّر الله لك فيها البهائم لتقوم بهذه العملية ، وما كان بوُسْعك أنْ تُطوّعها لهذا العمل لولا أنْ سخرها الله لك ، وذلّلها لخدمتك ، كما قال تعالى: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 72]
ما استطعت أنت تسخيرها .