إذن: هاتان صورتان واقعيتان في المجتمع: كافر يستكبر ويستغني ويستعلي بغناه ، ومؤمن قَنُوع بما قسم الله له .
وانظر إلى الهندسة الزراعية في قوله تعالى: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} [الكهف: 32]
فقد علَّمنا الله تعالى أن نجعل حول الحدائق والبساتين سُوراً من النخيل ليكون سياجاً يصدُّ الهواء والعواصف ، وذكر سبحانه النخل والعنب وهي من الفاكهة قبل الزرع الذي منه القوت الضروري ، كما ذكر من قبل الأساور من ذهب ، وهي للزينة قبل الثياب ، وهي من الضروريات .
وقوله: {جَنَّتَيْنِ . .} [الكهف: 32] نراها إلى الآن فيمَنْ يريد أن يحافظ على خصوصيات بيته ؛ لأن للإنسان مسكناً خاصاً ، وله عموميات أحباب ، فيجعل لهم مسكناً آخر حتى لا يطَّلع أحد على حريمه ؛ لذلك يسمونه السلاملك والحرملك .
وكذلك في قوله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15] ثم يقول الحق سبحانه: {كِلْتَا الجنتين ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً . .} .
أي: أعطتْ الثمرة المطلوبة منها ، والأُكُل: هو ما يُؤكل ، ونعرف أن الزراعات تتلاحق ثمارها فتعطيك شيئاً اليوم ، وشيئاً غداً ، وشيئاً بعد غد وهكذا .
{وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً . .} [الكهف: 33] كلمة {تَظْلِم} تعطينا إشارة إلى عمل الخير في الدنيا ، فالأرض وهي جماد لا تظلم ، ولا تمنعك حقاً ، ولا تهدِر لك تعباً ، فإنْ أعطيتَها جهدك وعملك جادتْ عليك ، تبذر فيها كيلة تعطيك إردباً ، وتضع فيها البذرة الواحدة فتُغِلُّ عليك الآلاف .