فالمثل يُوضِّح لك الخفيّ بشيء جَلِيٍّ ، يعرفه كل مَنْ سمعه ، من ذلك مثلاً الشاعر الذي أراد أنْ يصفَ لنا الأحدب فيُصوِّره تصويراً دقيقاً كأنك تنظر إليه:
قَصُرَتْ أَخَادعه وَغَاص قَذَالُه ... فكأنه مُتربِّصٌ أنْ يُصْفَعَا
وكأنما صُفِعْتَ قَفَاهُ مرةً ... وأَحسَّ ثانيةً لَهَا فتجمَّعَا
وهنا يقول الحق سبحانه: اضرب لهم يا محمد مثلاً للكافر إذا استغنى ، والفقير إذا رَضِى بالإيمان .
وقوله: {رَّجُلَيْنِ . .} [الكهف: 32] أي: هما مَحَلُّ المثل: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} [الكهف: 32] لكن ، هل هذا المثل كان موجوداً بالفعل ، وكان للرجلين وجود فِعليّ في التاريخ؟
نعم ، كانوا واقعاً عند بني إسرائيل وهما براكوس ويهوذا ، وكان يهوذا مؤمناً راضياً ، وبراكوس كان مستغنياً ، وقد ورثا عن أبيهم ثمانية آلاف دينار لكل منهما ، أخذ براكوس نصيبه واشترى به أرضاً يزرعها وقَصْراً يسكنه وتزوج فأصبح له ولدان وحاشية ، أما يهوذا ، فقد رأى أنْ يتصدّق بنصيبه ، وأن يشتري به أرضاً في الجنة وقصراً في الجنة وفضَّل الحور العين والولدان في جنة عدن على زوجة الدنيا وولدانها وبهجتها .
وهكذا استغنى براكوس بما عنده واغتَرَّ به ، كما قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 6 - 7]
وأول الخيبة أن تشغلك النعمة عن المنعِم ، وتظن أن ما أنت فيه من نعيم ثمرةُ جهدك وعملك ، ونتيجة سعْيك ومهارتك ، كما قال قارون: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي} [القصص: 78]
فتركه الله لِعلْمه ومهارته ، فليحرص على ماله بما لديه من علم وقوة: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض . .} [القصص: 81] ولم ينفعه ماله أو علمه .