قال ابن عطية: وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تِنّيس كانت هاتين الجنتين ، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة الله حتى عيّره الآخر ، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة ، وإياها عنى بهذه الآية.
وقد قيل: إن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لهذه الأمة ، وليس بخبر عن حال متقدمة ، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ، وجعله زجراً وإنذاراً ؛ ذكره الماوردي.
وسياق الآية يدلّ على خلاف هذا ، والله أعلم.
قوله تعالى: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي أطفناهما من جوانبهما بنخل.
والحِفاف الجانب ، وجمعه أحِفّة ؛ ويقال: حَفَّ القوم بفلان يَحُفُّون حَفًّا ، أي طافوا به ؛ ومنه {حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش} [الزمر: 75] .
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} أي جعلنا حول الأعناب النخل ، ووسط الأعناب الزرع {كِلْتَا الجنتين} أي كلّ واحدة من الجنتين {آتَتْ أُكُلَهَا} تامّا ، ولذلك لم يقل آتتا.
واختلف في لفظ"كِلْتا وكِلاَ"هل هو مفرد أو مثنّى ؛ فقال أهل البصرة: هو مفرد ؛ لأن كِلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير"كُلٍّ"في المجموع ، وهو اسم مفرد غير مثنى ؛ فإذا ولِيَ اسما ظاهراً كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة ، تقول: رأيت كِلا الرجلين وجاءني كِلا الرجلين ومررت بكلا الرجلين ؛ فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب ، تقول: رأيت كِلَيْهِما ومررت بكليهما ، كما تقول عليهما.
وقال الفراء: هو مثنًّى ، وهو مأخوذ من كُلٍّ فخفّفت اللام وزيدت الألف للتثنية.
وكذلك كلتا للمؤنث ، ولا يكونان إلا مضافين ولا يتكلم بواحد ، ولو تكلم به لقيل: كِلْ وكِلْت وكِلان وكِلْتان.
واحتج بقول الشاعر:
في كِلْتِ رجْليها سُلاَمى واحدَهْ ...
كِلتاهما مَقْرونةٌ بزائدهْ
أراد في إحدى رجليها فأفرد.