هذا جواب الأول، وأما الْجَوَاب عن الثاني فما أشار إليه بقوله (والذم) أي ذم الْمُشْركينَ لا
لعدهم الحرام رزقًا كما زعموا بل (لتحريم ما لم يحرم) أي بل لحكمهم برأيهم تحريم ما لم
يحرم أي الله مثل ما أشير إليه في قَوْله تَعَالَى(وَقَالُوا مَا في بُطُون هَذه الْأَنْعَام خَالصَة
لذُكُورنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا)الآية. فإنهم حكموا باختراعهم بلا استناد من
الدليل فذمهم الله تَعَالَى بوَجْهَيْن جعل ما أحل الله تَعَالَى حراما واختراعهم التحريم بآرائهم
الفاسدة وهذا الْمَعْنَى كالتصريح في النظم، أَلَا [تَرَى] أن قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ آللَّهُ أَذنَ لَكُمْ)
الآية. يؤيد هذا، وأما تحريم المجتهد وتحليله فلَيسَ من هذا القبيل لأنه لأخذه
من النص الدال عَلَى المقيس مستند إلَى الدليل لا إلَى الاختراع.
قوله: (واخْتصَاص ما رزقناهم) جواب سؤال مقدر من طرف المعتزلة بأن ما رزقناهم
مختص (بالحلال) عندكم أيضًا فثبت أن الإسناد للإيذان الْمَذْكُور فأجاب بأن تَخْصيصنا
(للقرينة) المشعرة بذلك الاخْتصَاص وهي أن المقام مدح المتقين والاتصاف بالتَّقْوَى يدل
على أن الإنفاق من الحلال؛ إذ التعاطي بالحرام يخل بالتَّقْوَى وكذا الإسناد إليه ينصرف عند
الإطلاق إلَى ما هُوَ أفضل وأكمل وهو الحل، وأما إذا انتفت القرينة ووجد المانع من الحمل
إلى ما هُوَ أكمل فلا اخْتصَاص؛ إذ الأشياء كلها مسندة إليه تَعَالَى، وأما المعتزلة فلا يجوزون
إسناد الحرام إليه تَعَالَى لتعاليه عن القبائح وزيف الْمُصَنّف الوَجْهَيْن من التنوير ولم يتعرض
للجواب عن شبهتهم المشار إليها بقوله والمعتزلة لما استحالوا لطول ذيله ولشهرته في علم
الْكَلَام وقد أشرنا إليه ولما أبطل شبهاتهم حاول بيان أدلة تدل عَلَى أن الحرام رزق فقال
(وتمسكوا) أي أصحابنا عطف عَلَى جعلوا التمسك بمعنى الأخذ يقاد تمسك به بمعنى
أخذ به وتعلق ثم تجوز به عن الاستدلال ولا يستعمل إلا فيما له قوة ووثاقة إلا عَلَى سبيل
التهكم (لشمول الرزق له بقوله - صلى الله عليه وسلم -) .
قوله: (في حديث عمرو بن قرة) بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة وبعدها تاء
تأنيث قيل وهو في سنن ابن ماجه عن صفوان بن أمية قال كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ جاء
عَمْرُو بْنُ قُرَّةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيَّ الشّقْوَةَ، [فَمَا أُرَاني أُرْزَقُ إلَّا منْ دُفّي بكَفّي، فَأْذَنْ لي في الْغنَاء في غَيْر فَاحشَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: «لَا آذَنُ لَكَ، وَلَا كَرَامَةَ، وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ، كَذَبْتَ، أَيْ عَدُوَّ اللَّه، لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ طَيّبًا حَلَالًا، فَاخْتَرْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ منْ رزْقه مَكَانَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ منْ حَلَاله] ) وآخره أما إنك لو قلت بعد هذه التَّوْبَة شَيْئًا ضربتك ضربا وجيعا""
كما في التَّفْسير الكبير واللباب وجه الاستدلال أن الْمُرَاد من قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ من رزقه من
حرام بقرينة من حلاله لأنه ذكر في مقابله فقد أطلق الرزق عَلَى الحرام، وَأَيْضًا من رزقه بيان
لما في قوله ما حرم الله فقد أضاف الرزق الحرام إليه تَعَالَى وفَائدَة عليك للزجر عنه وإلا
فما اختاره حرام مُطْلَقًا لأنه حرام في نفسه. نعم قد يحرم الشيء عَلَى شخص دون غيره
لعدم حرمته في ذاته كالمغصوب عَلَى الغاصب دون المالك ولمن أذن له المالك كما أن
الحل كَذَلكَ كالميتة ولحم الخنزير للمضطر دون غيره وبهذا البيان ينحل ما قيل عليه إنه لا