الانتظام وتَخْصيص الْمَوْصُوف أَيْضًا يأبى عنه المقام؛ إذ كون الْكتَاب هدى للأصحاب الكرام
وإفادة ذلك من أجل المرام، وَأَيْضًا هُوَ الأنسب لظَاهر الحصر في (أُولَئكَ هُمُ الْمُفْلحُونَ)
فلا حاجة إلَى الْقَوْل بأنه يجوز أن لا يخصصها إما عَلَى أنه من إسناد ما
للبعض إلَى الكل مثل بنو فلان قتلوا أو التَّخْصِيص بالْغَيْب لفضل الإيمان في الغيب وشرافته.
قوله: (أو عن الْمُؤْمن به لما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه) عطف عَلَى عنكم
والْمُرَاد بالْمُؤْمن به النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وفي الكَشَّاف ويعضده ما روي أن أصحاب عبد الله
ذكروا أصحاب رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ وإيمانهم فقال ابن مسعود إن أمر مُحَمَّد صلى الله
تَعَالَى عليه وسلم كان بينا لمن رآه(قال والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان
بغيب ثم قرأ هذه الآية)انتهى. فيكون الْمُرَاد بالْمُؤْمن به النَّبيّ عليه السَّلام، وإنَّمَا قال ويعضده
لاحتمال عموم الْمُؤْمن به والأثر والْمَذْكُور لكون النبي عليه السَّلام داخلًا في جملة الْمُؤْمن
به ويكفي الدخول في هذا فما الباعث إلَى التَّخْصِيص قول ابن مسعود إن أمر مُحَمَّد الخ.
لعله من بعض الرواة؛ إذ الدعاء والذكر باسمه الشريف لَيسَ بمستحسن وابن مسعود هُوَ عبد
الله بن مسعود وهو من أجل الصحابة وفقهائهم قيل وهذا أثر صحيح مخرج في السنن
موقوف عليه ثم قيل وبمعناه ما روي مرفوعا في السنن أَيْضًا أن أبا عبيدة بن الجراح قال يا
رسول الله هل أحد خير منا أسلمنا وجاهدنا معك قال:". نعم يكونون قوم بعدكم يُؤْمنُونَ"
بي ولم يروني"انتهى. فالْمُنَاسب أن يتمسك بهذا الْحَديث المرفوع لقوته ثم الْمُرَاد بقوله ما"
آمن مؤمن أفضل من إيمان بالْغَيْب أن إيمان بالْغَيْب أفضل مما عداه لأن هذا الْمَعْنَى شائع
في العرف لهذا المبنى، وأما بالنظر إلَى اللغة فيحتمل المساواة أَيْضًا. والْمَعْنَى العرفي هو
الْمُتَبَادَر ومن هذا ورد الإشكال بأن هذا يفضي إلَى أن إيمانهم أفضل من إيمان الصحابة
-رضي الله تَعَالَى عنهم - والْجَوَاب أن معنى كون إيمانهم أفضل وأشد اعتدادًا وأعجب حالًا
ممن آمن به بعد ما رآه ومعجزاته عيانًا وهو أسهل والإيمان بالْغَيْب أصعب والوصول إليه
أتعب وهو من هذه الحيثية أفضل وأكثر ثوابًا، وأما الصحابة - رضي الله تَعَالَى عنهم - فهم خير
النَّاس لنيلهم شرف القرب من الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ وتزكية ظواهرهم وبواطنهم بالنور
المقتبس من حضرة النبوة وملازمة الاستقامة وكمال الخشية والتقدس عن دنس المعصية
والترقي من الغيبة إلَى الحضور وإيمانهم في الْقُوَّة والوثاقة والضياء كبدر البدور ومن هذا
قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"لو وزن إيمان أبي بكر - رضي الله تَعَالَى عنه - مع إيمان جميع الخلائق"
لرجح"فإيمانهم بحسب الكيفية والشدة والطمأنينة أفضل بمراتب كثيرة من إيمان غيرهم"