[] سورة هود قال:
وغير ممكن أن تكون نبوّته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته ، ووجّهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامّا في حق بعض الأنبياء ، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عاما ، لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك ، ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم.
ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح ،[و هذا الاحتمال الأخير أظهر مما قبله ، لقول الله تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ من قَوْمِكَ إِلَّا من قَدْ آمَنَ 11: 36 ، وقوله تعالى:
وَقال نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ من الْكافِرِينَ دَيَّاراً 71: 26]فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط ، وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم ، لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم.
وغفل الداوديّ الشارح غفلة عظيمة فقال: قوله: «لم يعطهن أحد» يعني لم تجمع قبله ، لأن نوحا بعث إلى كافة الناس ، وأما الأربع فلم يعط أحد واحدة منهن. وكأنه نظر في أول الحديث وغفل عن آخره ، لأنه نص صلى الله عليه وسلّم على خصوصيته بهذه أيضا لقوله: «و كان النبي يبعث إلى قومه خاصة» ، وفي رواية مسلم: «و كان كل نبي» . قوله صلى الله عليه وسلّم: «نصرت بالرعب» ، زاد أبو أمامة: «يقذف في قلوب أعدائي» ، أخرجه الإمام أحمد. قوله صلى الله عليه وسلّم: «مسيرة شهر» ، مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها ، أما ما دونها فلا ، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: «و نصرت على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر» ، فالظاهر اختصاصه به مطلقا ، وإنما جعل الغاية شهرا ، لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه ، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق ، حتى لو كان وحده بغير عسكر ، وهل هي حاصلة لأمته من بعده ؟ فيه احتمال.
قوله صلى الله عليه وسلّم: «و جعلت لي الأرض مسجدا» ، أي موضع سجود ، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ، ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة ، وهو من مجاز التشبيه ، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها ، كانت كالمسجد في ذلك.
قال ابن التين: قيل: المراد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وجعلت لغيري مسجدا ، ولم تجعل له طهورا ، لأن عيسى عليه السلام ، كان يسبح في الأرض ، ويصلي حيث أدركته الصلاة ، كذا قال ، وسبقه إلى ذلك الداوديّ.
وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته ، بخلاف هذه الأمة ، فأبيح لها في جميع الأرض ، إلا فيما يتيقنوا نجاسته ، والأظهر ما قاله الخطابي ، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة ، كالبيع والصوامع ، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: «و كان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم» ، وهذا نص في موضع النزاع ، فثبتت الخصوصية ، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب فيه: «و لم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه» . قوله صلى الله عليه وسلّم: «و طهورا» ، استدلّ به على أن الطهور هو المطهر لغيره ، لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية ، والحديث إنما سيق لإثباتها. وقد روى ابن المنذر ، وابن الجارود ، بإسناد صحيح ، عن أنس مرفوعا: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا» ، ومعنى طيبة طاهرة ،