وخرج البخاري ومسلم من حديث أبي أمامة عن بريدة عن أبي بريدة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم ، إني رأيت الجيش بعينيّ وإني أنا النذير العريان ، فالنجاء [النجاء] [1] ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذبت طائفة فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني [فاتبع] [2] ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق.
لفظهما فيه متقارب ، ولم يقل فيه مسلم: فنجوا. ذكره البخاري في كتاب الاعتصام [3] . ..
[] ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف ، فعند أحمد من حديث معاوية: «أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهي عن الأغلوطات» ، قال الأوزاعي: هي شداد المسائل ، وقال الأوزاعي أيضا: «إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليظ ، فلقد رأيتهم أقل الناس علما» .
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل» ، وقال ابن العربيّ: «كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم ، فأما بعد فقد أمن ذلك ، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع» ، قال: «و إنه لمكروه إن لم يكن حراما ، إلا للعلماء ، فإنّهم فرعوا ومهدوا ، فنفع الله من بعدهم بذلك ، ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم.
وينبغي أن يكون محل الكراهية للعالم ، إذا شغله ذلك عما هو أعم منه ، وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجردا عما يندر ، ولا سيما في المختصرات ليسهل تناوله ، والله المستعان.
واستدل به على أن الاشتغال بالأهم المتاح إليه عاجلا عما لا يحتاج إليه في الحال ، فكأنه قال:
عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي ، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع.
فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ، ثم يجتهد في تفهم ذلك ، والوقوف على المراد به ، ثم يتشاغل بالعمل به ، فإن كان من العلميات ، يتشاغل بتصديقه واعتقاد أحقيته ، وإن كان من العمليات ، بذل وسعه في القيام به فعلا وتركا ، فإن وجد وقتا زائدا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع ، فأما إن كانت الهمة مصروفة عن سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع ، مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع ، فإن هذا مما يدخل في النهي ، فالتفقه في الدين إنما يحمد إذا كان للعمل ، لا للمراء والجدال. (المرجع السابق) :
[1] في (خ) : «النجاء» مرتين خلافا لرواية البخاري.
[2] في (خ) : «و اتبع» ، وما أثبتناه من رواية البخاري.
[3] (فتح الباري) : 13/ 311 ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب (2) الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وقول الله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً 25: 74 ، حديث رقم (7283) .