وهنا وقد اطمأن إبراهيم إلى الملائكة ، وثابت نفسه واطمأنت للبشرى راح يستطلع سبب مجيئهم وغايته:
{قال: فما خطبكم أيها المرسلون؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين. إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ، إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} ..
ولا يعرض السياق لجدال إبراهيم عن لوط وقومه هنا كما عرض له في سورة هود؟ بل يصل إخبار الملائكة له ، بالنبأ كله. ذلك أنه يصدق رحمة الله بلوط وأهله ، وعذابه لامرأته وقومه. وينتهي بذلك دورهم مع إبراهيم ، ويمضون لعملهم مع قوم لوط..
{فلما جاء آل لوط المرسلون ، قال: إنكم قوم منكرون. قالوا: بل جئناك بما كانوا فيه يمترون. وآتيناك بالحق وإنا لصادقون. فأسر بأهلك بقطع من الليل ، واتبع أدبارهم ، ولا يلتفت منكم أحد ، وامضوا حيث تؤمرون. وقضينا إليه ذلك الأمر: أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} ..
وهكذا يعجل السياق إخبارهم للوط بأنهم الملائكة ، جاءوه بما كان قومه يمترون فيه من أخذهم بذنوبهم وإهلاكهم جزاء ما يرتكبون ، تصديقا لوعد الله ، وتوكيدا لوقوع العذاب حين ينزل الملائكة بلا إبطاء.
{قال: إنكم قوم منكرون} ..
قالها ضيّق النفس بهم ، وهو يعرف قومه ، ويعرف ماذا سيحاولون بأضيافه هؤلاء ، وهو بين قومه غريب ، وهم فجرة فاحشون.. إنكم قوم منكرون ان تجيئوا إلى هذه القرية وأهلها مشهورون بما يفعلون مع أمثالكم حين يجيئون!
{قالوا: بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ، وآتيناك بالحق وإنا لصادقون} ..
وهذه التوكيدات كلها تصور لنا جزع لوط وكربه. وهو في حيرة بين واجبه لضيفه وضعفه عن حمايتهم في وجه قومه. فجاءه التوكيد بعد التوكيد ، لإدخال الطمأنينة عليه قبل إلقاء التعليمات إليه:
{فأسر بأهلك بقطع من الليل. واتبع أدبارهم ، ولا يلتفت منكم أحد ، وامضوا حيث تؤمرون} ..