{ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا: سلاما. قال: إنا منكم وجلون. قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر؟ فبم تبشرون؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. قال: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؟} .
فقالوا: سلاما. قال: إنا منكم وجلون.. ولم يذكر هنا سبب قوله ، ولم يذكر أنه جاءهم بعجل حنيذ..
{فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة} كما جاء في سورة هود. ذلك أن المجال هنا هو مجال تصديق الرحمة التي ينبئ الله بها عباده على لسان رسوله ، لا مجال تفصيلات قصة إبراهيم..
{قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم} ..
وهكذا عجلوا له البشرى ، وعجل بها السياق دون تفصيل.
كذلك يثبت هنا رد إبراهيم ولا يدخل امرأته وحوارها في هذه الحلقة:
{قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر؟ فبم تبشرون؟}
فقد استبعد إبراهيم في أول الأمر أن يرزق بولد وقد مسه الكبر (وزوجته كذلك عجوز عقيم كما جاء في مجال آخر) فرده الملائكة إلى اليقين:
{.. قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين} ..
أي من اليائسين. فآب إبراهيم سريعا ، ونفى عن نفسه القنوط من رحمة الله:
{قال: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؟}
وبرزت كلمة {الرحمة} في حكاية قول إبراهيم تنسيقا مع المقدمة في هذا السياق ؛ وبرزت معها الحقيقة الكلية: أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. الضالون عن طريق الله ، الذين لا يستروحون روحه ، ولا يحسون رحمته ، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته. فأما القلب الندي بالإيمان ، المتصل بالرحمن ، فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد ، ومهما ادلهمت حوله الخطوب ، ومهما غام الجو وتلبد ، وغاب وجه الأمل في ظلال الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر.. فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنين المهتدين.
وقدرة الله تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج ، وتغير الواقع كما تغير الموعود.