ولكن غلبَهَم غرورُهم، وطغا عليهم ترَفُهم، وزاد في كفْرِهم وبغيهم هندستُهم وفَنُّهم، وتَمكَّن من نفوسهم سلطانُ الْهوى والشهوات، فغلبها على الخَيْر والهدى غيُّهم وكفْرُهم بربِّهم، وأوغلوا في فسوقهم وفجورهم، وضاقوا ذرعًا بصالِحٍ - عليه السَّلام - وكثر [وكثرةِ] إلحاحه عليهم في النَّصيحة والموعظة، وشدَّةِ تقريعهم وتوبيخهم بِما هم فيه من البَغْي والشِّرك والفساد، فزعَم شيطانُهم أنَّ ناقة الله التي جعَلَها آيةً لرسوله صالِحٍ، والتي حذَّرهم صالِحٌ أن يَمسُّوها بسوء - تُضايقهم في مسارِح ومَشاربِ أنعامهم، فأَوْعَزُوا إلى أشْقَاهم أن يَعْقرها، وأغروه بالثَّناء عليه والإطْرَاء لشجاعته وجرأته، ومنَّوْه بأن يُقِيموا الحفلات لتكريمه، إذا هو نَجَح في تخليصهم من هذه النَّاقة بِعَقْرِها، ولقد كانت تُمنِّيهم أنفسُهم الغرور؛ بأنَّهم لو نجحوا في قَتْل النَّاقة، فهم لا بدَّ ناجحون في قَتْل صالح، والتخلُّص من مُضايقته:"وَكَانَ في الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ" [النمل: 48 - 51] ، ولكنَّهم ما يكادون يعقرون النَّاقة، ويتهيَّؤون في مكافأة الشَّقي على فعلته بإقامة حفلات تكريمه على شنيع فَعْلتِه، حتَّى حلَّ بِهم عذابُ الله العاجل:
"فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ" [الحجر: 83] .