فما ترى أكثرهم إلاَّ زاعمًا لنفسه أنَّه إلهُ الفَنِّ، ورَبُّ الهندسة والزِّراعةِ والريِّ، وزادهم بغْيًا وكفرًا حتَّى ذهبوا يقيمون لأنفسهم ولِمُعظَّمِيهم الأصنامَ والتماثيل؛ ليحملوا العامَّة على عبادتهم وتقديسهم، وما هم - لو أَصْغَوا لآيات الله - إلاَّ عبادٌ من عباد الله، وخَلْق مِن خلق الله، وما زادوا عن غيرهم شيئًا، إلا أنَّ ابتلاءهم كان أشدَّ، وامتحانَهم كان أعظم، وما خوَّلَهم الله ما خولهم، وما علَّمَهم ما علمهم إلاَّ ليكونوا مسخَّرين به لِنَفْع أُمَّتِهم، وخادمين به لِمُجتمعِهم، لا ليكونوا أربابًا مقدَّسين وسادة مؤلَّهين، ألا أنَّهم لو عقلوا لسَمِعوا آيات الله تُناديهم، وتدعوهم إلى تقدير نِعَم الله عليهم، وفَضْلِه وإحسانه إليهم، قائلةً لهم: إنَّ الذي قَدَر أن يُعْطِيَهم هو أقدر أن يأخذهم، وأقدر أن يُذِيقَهم النَّكال، إنَّهم لو عَقِلُوا لسمعوا لِنَصحية أخيهم صالِحٍ، وكلُّها شفقة ورحمة، وكلُّها حِرْص على نَجاتهم من أمانيِّهم الكاذبة، ومُخادعتهم لأنفسهم، وخيانتهم لها بأنَّها ما دامت مُتْرَفة غارقة في اللَّهو والشهوات فهي آمنة.
إنَّهم لو عَقِلُوا لسمعوا لنصيحة أخيهم صالح، وكلُّها رغبة صادقة في سعادتهم وأَمْنِهم الحقيقي، الذي لا يكون إلاَّ بِحُسن تقدير نِعَمِ الله، وشُكْرِها بوضعها في موضِعِها في الخير والصَّلاح الذي يعود عليهم وعلى مُجْتمعهم بالرَّخاء وطِيب العيش، فيكون المُجتمع كلُّه طبقةً واحدة، شعارها البِرُّ والإحسان، وقوامُها الأخُوَّة الإنسانية، والأخوَّة الإيمانيَّة، كلُّهم كالجسم الواحد، وإذا اشتكى منه عضوٌ تألَّم له الباقي بالسَّهر والحُمَّى، والعمل على عافيته حتَّى يَبْرأ، إنَّهم لو أقبلوا على آيات الله وسُنَّتِه الحكيمة يتأمَّلونَها بعقول سليمة وقلوب يَقِظة، لاستمعوا وأصْغَوا لوصية نَبِيِّ الله صالِحٍ، فكانوا من الفائزين المفلحين.