وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} فيه إشارة إلى أم القرآن الكريم، وهي فاتحة الكتاب. و"المثاني"جمع مثنى، مشتق من التثنية وهي الإعادة والتكرير، لأن الفاتحة تتكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، وعطف القرآن على السبع المثاني من عطف العام على الخاص. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) ، قال ابن كثير:"فهذا نص في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن ذلك لا ينافي وصف القرآن بكامله بذلك أيضا". قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23] ، فهو"مثاني"من وجه، و"متشابه"أي متماثل، من وجه آخر، وهو القرآن العظيم.
والمراد"بالسبع الطوال"عند من فسر بها"السبع المثاني"في هذه الآية: سور البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. وقد ذهب إلى هذا التفسير ابن مسعود، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك. وسميت السبع الطوال"مثاني"لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها حسبما روي عن ابن عباس.
وقوله تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} بعد امتنان الله على رسوله بالسبع المثاني والقرآن العظيم مباشرة، هذا تنبيه من الله لرسوله إلى أن ما أنعم به عليه من نعمة الوحي والإيمان، ومعجزة القرآن، يفوق كل نعمة أخرى أنعم بها على بني الإنسان، فكل النعم سواها
تتضاءل دونها، ولا تبلغ درجتها، وما عند أصناف الكفار من متاع الدنيا على اختلاف أنواعه لا قيمة له بالنسبة لنعمة الوحي والرسالة.
قال أبو حيان:"هذا النهي وإن كان خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم فالمعنى نهي أمته عن ذلك، لأن من أوتي القرآن شغله النظر فيه، وامتثال تكاليفه، وفهم معانيه عن الاشتغال بزهرة الدنيا، و"مد العين"للشيء إنما هو لاستحسانه وإيثاره".