ونصب"سلامًا"يدل على التجدُّد، ورفع"سلامٌ"يدل على الثبوت والاستقرار، وقال الراغب: إنَّما رفع الثاني؛ لأنَّ الرفع في باب الدُّعاء أبلغ، فكأنَّه تحرَّى في باب الأدب المأمور به في قول تعالى:"وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا" [النساء: 86] ، ومن قرأ"سِلْمٌ"فلأنَّ السَّلام لَمَّا كان يقتضي السِّلم، وكان إبراهيم - عليه السَّلام - قد أوجس منهم خيفة، فلمَّا رآهم مسلِّمين تصوَّر مِن تسليمهم أنَّهم قد بذلوا له سِلْمًا، فقال في جوابهم: سِلْم؛ تنبيهًا أنَّ ذلك من جِهَتِي لكم، كما حصل من جهتكم لي؛ اهـ.
و"الوَجِل"الخائف الفَزِع من أمر يترقَّبه وقد ظهرَتْ أماراته، قال في"اللِّسان": الوَجَل الفزَع والخوف، وقال الرَّاغب: الوجَل استشعار الخوف؛ اهـ، وقد فُسِّر وجل إبراهيم هنا كما في سورة الذاريات:"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ" [الذريات: 24 - 28] ، وفي سورة هود:"وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ" [هود: 69 - 71] .
فكان استنكارُه لَهم ووجَلُه منهم؛ لِمَا ظهر له من حالِهم، وهم في صورة الضَّيف من الإنسان، بعد تقديمه لَهم العجل السَّمين المشويَّ على الحجارة المُحماة، وامتناعِهم من الأكل منه، وأنَّهم لم يمدُّوا أيديهم إليه.