قال أبو حيان: وأضيفوا إلى إبراهيم"ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ"وإن لَم يكونوا أضيافًا؛ لأنَّهم في صورة مَن كان يَنْزل به من الأضياف؛ إذْ كان لا يَنْزل به أحدٌ إلاَّ ضافه، وكان - صلى الله عليه وسلم - يكنى أبا الأضياف، وكان لِقَصْره أربعة أبواب، من كل جهة باب؛ لئلاَّ يفوته واحد.
و"سلامًا"أصله: من السلم، وهو الأمن العامُّ من كلِّ خوف، قال أبو حيان: وانتصب"سلامًا"على إضمار الفعل؛ أيْ: سلَّمْنا عليك سلامًا، فسلامًا: قطعه معمولاً للفعل الْمُضمَر المحكيِّ بـ"قالوا"، قال ابن عطيَّة: ويصحُّ أن يكون"سلامًا"حكايةً لِمَعنى ما قالوا، لا حكاية للفظهم، قاله السُّدي ومُجاهد؛ ولذلك عمل فيه القول، كما تقول لرجل قال:"لا إله إلا الله"، قلت:"حقًّا وإخلاصًا"؛ اهـ.
والصواب: قول ابن عطية؛ لأن"سلامًا"لفظ عربي، وهم ما كانوا يتكلَّمون العربية، وإنَّما تكلَّموا بلسان إبراهيم كلامًا يؤدِّي معنى السلام.
وفي سورتَيْ هود والذاريات:"قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ" [هود: 69] ، ما يدلُّ على المَحْذوف هنا، وأنه ردَّ عليهم التحيَّة، وقال: سلام، فقول إبراهيم:"سلام"خبرُ مبتدأٍ مَحذوف؛ أيْ: أمري، أو أمركم سلامٌ، أو مبتدأٌ مَحذوفُ الخبَر؛ أيْ: عليكم سلام، والجملة مَحكيَّة، وإن كان حُذِف منها أحدُ جزأيها، قال أبو حيَّان: وقرأ الأَخَوان"سِلْمٌ"، والسِّلْم: السَّلام، كحِرْم وحَرام، ومنه قول الشاعر:
مَرَرْنَا فَقُلْنَا إِيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ
كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوَائِحُ
"اكتلَّ"اتَّخذ كليلاً، قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالسِّلم ضد الحرب، تقول: نحن سِلْم لكم؛ اهـ.