قول الله - تعالى ذِكْره:"وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ" [الحجر: 51 - 60] .
"الضيف"أصله: الميل، يُقال: ضفْتُ إلى كذا، وأضَفْت إلى كذا، وضافَتِ الشمس للغروب، وتضيَّفَت، وضاف السَّهْمُ عن الْهَدف: مال، والضَّيف: مَن مال إليك، وأصل"الضَّيف"مصدر؛ ولِذَلك استوى فيه الواحِدُ والجمع في عامَّة كلامهم، وقد يُجمع فيُقال: أضْيَاف وضيوف وضيفان، وكان ضيفُ إبراهيمَ جَماعةً؛ لأنَّ التحدُّث عنهم بضمير الجماعة:"دخلوا""منكم""قالوا""بشَّروه".
روي عن ابن عباس: أنَّهم كانوا اثْنَي عشر ملكًا، وعن السُّديِّ: أحد عشر، وعن الضَّحاك: تسعة، وعن محمد بن كعب القرظى: ثَمانية، وحكى الماورديُّ: أربعة، وعن مقاتل: جبْريل وميكائيل وإسرافيل، والحقُّ أنَّهم كانوا جميعًا من الملائكة، ولا يُعرَف عدَدُهم إلاَّ بِخَبر صادق من الله ورسوله، وليس هناك خبَرٌ بذلك، فالله أعلم بعِدَّتِهم، ومَن هُمْ.
وقد وصفَهم في سورة الذَّاريات بأنَّهم"ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ" [الذاريات: 24] ، فالمُكْرم اسم مفعول من الإكرام؛ أيِ: الذين أُعطوا من الصِّفات، والحسن والجمال، والبهجة وحسن السَّمْت، والْهَيبة والجلال: الغاية، قال الراغب:"الكِرَام"لا يُقال إلاَّ في المَحاسن الكبيرة، وكل شيء شرُف في بابه فهو كريم، قال تعالى:"أَنْبَتْنَا فيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ" [الشعراء: 7] ، ويعنِي بذلك: أن تكون صفة الشَّرف والكمال فيه أصليَّة عالية، بيِّنة واضحة، ويدلُّ على كرَمِ هؤلاء الضَّيف من الملائكة، وبلوغهم النِّهاية في الحسن والجمال، والبهجة والوقار: حلو حديثهم أوَّلاً مع إبراهيم، ثُم مسارعة قوم لوط إلى دار لوط حين نزلوا به، كما سيأتي بيانُه - إن شاء الله.