فكيف يُبدِّلون نعمة الله كفراً؟ وكيف يُسيئون معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم وصَحْبه حتى قال صلى الله عليه وسلم:"اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف".
وخرج لقتالهم في بدر ؛ وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة الله كفراً ، ولماذا قَبِلوا عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه؟
ولو كانوا قوم صِدْق مع النفس ، وصدق مع ما يعتقدونه لَطلبوا من الأصنام أن تعطيهمَ ؛ أو لَرفضوا أن يأخذوا خَيْر المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه ، وهو سبحانه قد أنعم عليهم بمُقوِّمات المادة ؛ وأضاف لذلك منهجه مُقوم الروح .
وحين نقرأ قول الحق سبحانه:
{وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار} [إبراهيم: 28] .
نفهم أن الإحلال هو إيجاد حالٍّ في مَحَلٍّ . ونعلم أن الظَّرف ينقسم إلى قسمين: ظرف مكان ، وظرف زمان ؛ فإذا أحللْتَ حدثاً محلَّ حَدث ؛ فهذا يخصُّ ظرف الزمان ، وحين تحل شيئاً مكان شيء آخر ، فهذا أمر يخصُّ ظرف المكان .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار} [إبراهيم: 28] .
وهذا يعني ظرف مكان . ولقائل أن يقول: وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار بَوَار؟
ونقول: لقد حدث ذلك نتيجة أنهم قد غَشّوهم وخدعوهم ، ولم يستعمل هؤلاء الأهل عقولهم ؛ ولم يلتفتوا إلى أنّ قادتهم وأُولي الأمر منهم يسلكون السلوك السيء وعليهم ألاَّ يقلدوهم ؛ فَجرُّوا عليهم الفتن واحدة تِلْو أخرى ، وترين الفتن على القلوب .
ولهذا أراد الحق سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون بها مناعات من الفتن ؛ فتحثّ النفس اللوامة المؤمن ؛ فيكثر الحسنات ليبطل السيئات ، وإذا ما تحولت النفس اللوّامة إلى نفس أمَّارة بالسوء وجدتْ في المجتمع المسلم مَنْ يزجرها .
وبهذا تصبح أمة محمد صلى الله عليه وسلم محصَّنة ضد الفتن التي تُذهِب الإيمان .