وشبيه بهذا قوله - تعالى -: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ.
وقوله - تعالى - وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
والجملة الكريمة تحكى لونا عجيبا من ألوان توغلهم في الجحود والضلال، حيث طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم تعجيل العقوبة التي توعدهم بها، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير والعافية.
وجملة وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ في موضع الحال، لزيادة التعجب من جهلهم وطغيانهم، لأن آثار الأقوام المهلكين بسبب كفرهم ما زالت ماثلة أمام أبصارهم، وهم يمرون عليها في أسفارهم، فكان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يعتبروا بها.
وقوله - سبحانه - وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ بيان لرحمة الله - تعالى - بعباده، ولشدة عقابه للمصرين على الكفر منهم أي:
وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو مغفرة عظيمة للناس مع ظلمهم لأنفسهم، حيث أطاعوها في ارتكاب الذنوب والمعاصي.
ومن مظاهر هذه المغفرة أنه - سبحانه - لم يعاجلهم بالعقوبة. بل صبر عليهم، وأمهلهم، لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه، ويقلعون عن ذنوبهم.
قال - تعالى -: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ... .
وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لشديد العقاب للمصرين على كفرهم وضلالهم ومعاصيهم.
وقدم - سبحانه - مغفرته على عقوبته، في مقابل تعجل هؤلاء الكافرين للعذاب، ليظهر الفارق الضخم بين الخير الذي يريده - سبحانه - لهم، وبين الشر الذي يريدونه لأنفسهم بسبب انطماس بصائرهم ...
قال ابن كثير ما ملخصه: قوله - سبحانه - وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ.