ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو ما يسميه عبد القاهر في (الدلائل) النظم؛ وهو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام. والمقصود بمعاني النحو الخصوصيات التي هي مقتضى الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر، وغير ذلك. إن النظم أو العلاقات بين الكلمات في التراكيب هي مناط بلاغة الكلام عند عبد القاهر، وهو سر الحسن والروعة في الكلام؛ لأن جمال الصياغة هو محك القدرة ودليل البراعة، وأمارة الحذق والمهارة، وهو الذي يتفاضل فيه الفحول، وتختلف به أقدار الكلام؛ ولذلك اهتم به عبد القاهر، وأوسعه شرحًا وتفصيلًا في (دلائل الإعجاز) لأنه السبيل إلى فهم بلاغة القرآن الكريم، والوقوف على أسرار إعجازه، وخروجه عن طوق البشر.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) }
ومما ذكر فيه المسند إليه لغرض الإيضاح والتقرير الخبر وتأكيد الحكم المحكوم به على المسند إليه أيضًا قول الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (الرعد: 5) حيث ترى المسند إليه يُذكر ويكرر مع كل خبر عنه ومع كل حكم عليه، وكان من الممكن أن يكتفَى بذكره أولًا ويحذف بعد ذلك، ولكنه - والله أعلم - قصد إلى تقرير هذه الأخبار وتأكيد هذه الأحكام، فهم كفروا بربهم وهم الأغلال في أعناقهم وهم أصحاب النار، وفي هذا تكرار للمسند إليه من إعلان الغضب والوعيد ما لا يخفى.
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) }
وتأمل قول الله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}
تجد أنه قصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على صفة الإنذار، لا يتعداها إلى الإتيان بالآيات، فهو قصر إفراد؛ إذ يعتقد الكافرون أنه - عليه الصلاة والسلام - يجمع بين صفتي الإنذار والإتيان، وقد ذكر عبد القاهر"إنما"لا تستعمل إلا في قصر القلب، والصواب - ما ذكرنا - وهي أنها تستعمل في كل أنواع القصر - كما رأينا وكما هو عليه جمهور البلاغيين.