التقرير الثاني: من جهة الكناية، وهو أن يكون قد كنى بقوله «ماء» عن العلم، وبالأودية عن القلوب، وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية قد ذكرها الشيخ أبو حامد الغزالي في كتابه الذي لقبه بجواهر القرآن ودرره، وأشار فيها إلى أن في القرآن إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت فنقول: المعتمد فيما يقبل من التأويل، وما يعول عليه من ذلك، هو أن ما كان من المعاني محتملا لحقيقة اللفظ أو لمجازه، فهو مقبول يعول عليه، وما كان من التأويلات لا يحتمله اللفظ من جهة حقيقته، ولا مجازه فهو مردود على قائله، فهذا هو الأصل والقاعدة فيما ذكرناه، ولو ساغ تأويل القرآن على ما لا يحتمله اللفظ مجازا ولا حقيقة، لساغ للباطنية ما يزعمونه، من تأويل العصا بالحجة، والثعبان بالبرهان، في قوله تعالى: (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) [سورة الأعراف: 107] والمراد بالأنهار العلم في قوله تعالى: (وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) [سورة محمد: 15] إلى غير ذلك من التأويلات المستهجنة، وهذا يفتح علينا بابا من علم التأويل ويحرك قطبا من مسائله استقصاؤها يخرجنا عن مقصد الكتاب، وقد ذكرنا منه طرفا أودعناه كتاب المشكاة في الرد على الباطنية، فالتأويل في الآية إن استعمل مجازا وإن بعد وكان غريبا قبلناه، وإن لم يكن مستعملا في المجاز رددناه؛ حراسة للتنزيل عن التأويلات الركيكة، وصونا لمعانيه عن المحتملات الرديئة الفاسدة. فأما الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله فإنه إن أتى بغريب من التأويل وبعيده فلأنه لا وطأة له في علم البيان، وإخاله لم يتغلغل في كنه أسراره، ولا خاض في غمرات بحاره، ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها) [سورة الأحزاب: 27] فظاهر الآية دال على أن الأرض هي العقارات، والديار هي المساكن، والأموال هي المنقولات، وقوله: (وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها) يحتمل أن يكون كناية عن فروج النساء ونكاحهن، وهذا من جيد الكناية ونادرها، لمطابقتها لقوله تعالى: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) [سورة البقرة: 223] والحرث إنما يكون في الأرض، فلهذا ازدادت رشاقة وحسنا، فهذه الآيات كلها يجوز حملها على ما ذكرناه من الكنايات على جهة المجاز مع الوفاء بما تحتمله من ظاهرها على وجه الحقيقة، وقد قررنا فيما سبق أنه ليس في المجازات ما يجوز حمله على حقيقته، ومجازه معا سوى الكناية فلا مطمع في إعادته، وفي القرآن كنايات كثيرة أعرضنا عنها استكفاء بما ذكرناه، وتنبيها بالأقل منها على الأكثر. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...