معقبات من أمر الله، ما هذا الأمر؟ ما شأنه؟ ما طبيعته؟ ما صفته؟ لو شاء اللَّه البيان لبين وفضل، ولكن مشيئته اقتضت أن تبقى الصورة غائمة لتوحي بالرهبة، بالوجل، بالإشفاق، ونبقى في حذر عند كل تصرف، ومن له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذه الضبابية بالكشف والتفصيل.
معقبات ... خامرني منها شيء لذَّ بنفسي لست أحسن وصفه، معقبات من أمره وكفى ... هل هي مخابرات في جهاز سري صدرت عن أمر ملكي ولها مهمات خاصة؟ أوليس التعقيب بعيدا عن معنى الحفظ أي الرعاية والكلاءة؟ فالمعقب من شأنه المتابعة والملاحظة والملاحقة المستمرة لإنجاز ما كلف به من أوامر ومهام، بعيدا كل البعد عن معنى الكلاءة والرعاية والحفظ والذي لا يساعد السياق عليه. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، سواء عنده من أسر ومن جهر، من استخفى بالليل أو سرب بالنهار، ما لهم من دونه من وال، وكل شيء عنده بمقدار، يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق. في هذا الجو من الرهب والخوف وعالم الأسرار يأتي ذكر المعقبات ويأتي بعدها (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) . فالحفظ هو حفظ الاستظهار ضد النسيان لا حفظ الحراسة والرعاية، معقبات ... وللعرب في ألفاظها دلالات تقضي بها حوائجها وأغراضها لا يعرفها سواهم، وصار السياق؛ له معقبات من أمر اللَّه من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه، ولكن هذا السياق لا ينسجم مع الإيقاع الموسيقي للفاصلة القرآنية فلا بد من تقديم (يحفظونه) على الجار والمجرور (من أمر الله) .
معقبات ... يحفظون كل شيء عنه: أعماله، تصرفاته، حركاته، سكناته، نظراته، همساته. يحصون عليه أنفاسه، يراقبون ما يحدثه من تغيير في نفسه ومشاعره وواقعه فيغير اللَّه ما به وفق ما غير ما بنفسه.
ميزان دقيق وحاسوب ذري فلا مجال للشك، ولا مجال للعبث. لا وجود للتضمين في الآية إذاً ولا داعي إلى تأويلات تصرفنا عن المورد العذب إلى ظنون يستولي التكلف على جملتها وتفصيلها.
فلا تعجل بظن قبل علم ... فعند العلم تنقطع الظنون
كلون الشهد مشتبها وليسست ... تُخبِّر عن مذاقته العيون انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...