قيل: (مِنْ) للسبب كقولك: كسوته من عري، ويكون معناها ومعنى الباء سواء. يحفظونه بأمر اللَّه وبإذنه، قال ابن جريج: يحفظون عليه عمله، وقال قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله، وقرأ علي وابن عباس وعكرمة وزيد وجعفر يحفظونه بأمر اللَّه يؤيد السببية.
وقال الزمخشري: يحفظونه من أجل أمر الله، أي: اللَّه أمرهم بحفظه. وقيل بحفظه من بأس اللَّه ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له أن يمهله رجاء أن يتوب. ويصير المعنى إلى التضمين أي: يدعون له بالحفظ من نقمات اللَّه رجاء توبته.
وزاد الجمل يحفظون عمله بإذن اللَّه فحذف المضاف وهو (عمل) وتقديره: يحفظونه بأمر الله وإعانته.
وقال البروسوي: يحفظونه من المضار التي أمر اللَّه بالحفظ منها.
وقال الزركشي: روى الأخفش عن يونس أن (مِنْ) بمعنى (الباء) .
ومثله قال ابن قتيبة.
وقال الرازي: نقلا عن الفراء: فيه تقديم وتأخير، له معقبات من أمر اللَّه.
أقول: إذا كان اللَّه قد أمر الملائكة بحفظ العبد كما ذكر الزمخشري وغيره، فلماذا يخشى المذنب من ذنبه ومعه من يحفظه؟ أو يدعو له بالحفظ من عذاب الله؟ ولعل تعليق (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بالفعل يحفظونه هو الذي دفعهم إلى ركوب المسلك الحزن، ووكلهم إلى تشتيت ملامح الصورة للمشهد الكوني الكبير، وتفريطهم هذا أوقعهم في حَيْس الخاطر وألجأهم إلى دعوى التناوب والتعاور، (مِنْ) بمعنى الباء.
في جو من تظليل الصورة وعدم تسليط الضوء عليها عن قصد وعمد، وفي مشهد تحيط به الضبابية متلفع بالخفاء تخيم عليه الرهبة، نرقب علم اللَّه المحيط بكل شيء ، خفياً لا تراه العيون، وراء السر المستخفي بالليل وخلف
المعقبات من أمر الله، لا يعلم كنه طبيعتها إلا الله، يتعقبوننا في كل خاطرة وخالجة في الصغيرة والكبيرة، من بين أيدينا ومن خلفنا، يُحصون علينا النَّفَس فنحن معهم كالكتاب المفتوح لا تخفى عليهم منا خافية، يحفظون كل شيء عنا جملة وتفصيلا، فكل تعبير أو تحبير، وكل همسة أو نبْسة مستوعبة في صدورهم يحفظونها عن ظهر قلب. فأحدنا كالمتهم المستراب في سياسة نفسه، لا يمشي خطوة إلا بين جواسيس تحصي عليه حتى أسباب النية وتجمع منه حتى نزوات النفس وتترجم عنه حتى معاني النظر.