ثم إنّ جعل الحياة الدنيا متاعا، إشارة إلى أن نعيمها زائل، وأنها لا تدوم، وأنها تافهة قليلة الغناء كغلّة المتاع الذي يتزوّد به المسافر، وهو بلغة يتبلّغ بها مدة سفره. وما زال «المتاع» زاد الراكب والمسافر في عصرنا، وإن أخذ يزول بسبب من تقدّم
الحضارة، وتهيؤ الوسائل المتقدّمة في السفر وما يتصل به.
ومن عجيب، أن مواد هذه الكلمة تدل على القلة ذلك أن «المتعة» (مثلّثة الميم) هي البلغة، ويقول الرجل لصاحبه، أبغني متعة أعيش بها، أي:
ابغ لي شيئا آكله، أو زادا أتزوّد به، أو قوتا اقتاته.
9 -وقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ(29) .
قرئت: (طوبى لهم وحسن مآب) برفع (طوبى) ونصبها.
أقول: والنّصب على معنى الدّعاء.
وطوبى: مصدر كالبشرى والنّعمى ونحو ذلك، وقوله تعالى: (طُوبى لَهُمْ، أي: أصبتم خيرا وطيبا على إرادة الدعاء. واستعمال اللام في لَهُمْ مؤذن بذلك كقولهم سلاما لك، كما تقول أيضا سلام لك، وكله دعاء.
10 -وقال تعالى: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ(39) . وقوله تعالى: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ، أي: أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ.
أقول: واستعمال (أمّ) وإضافتها للكتاب لتوليد هذا المعنى، أو قل هذا المصطلح يؤيّده ما درج عليه العرب من النظر إلى كلمة (أمّ) ، التي أضافوها إلى كلمات لا حصر لها لتوليد مسمّيات كثيرة، يأخذك العجب إذا ما أردت أن تعرف طرائق إدراكهم للأشياء، واختيار الكلم لذلك.
وحسبك أن تنظر في كتاب «المرصّع» لمجد الدين ابن الأثير وهو في الآباء والأمهات والأبناء والذوات والذوين، لتدرك آفاق هذه اللغة البعيدة المرامي.
11 -وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الآية 31] .
قال الزمخشري في وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً جوابه محذوف، كما تقول
لغلامك: لو أنّي قمت إليك، وتترك الجواب.