وقوله: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا} (إذا) منصوب وعامله محذوف دل عليه {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تقديره: أنبعث إذا كنا ترابًا؟ ثم حذف لدلالة ما بعده عليه، ولا يجوز أن يكون العامل فيه {كُنَّا} لوجهين:
أحدهما: أن (إِذا) مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
والثاني: أن القوم لم ينكروا كونهم ترابًا، وإنما أنكروا البعث بعد كونهم ترابًا، ولا جديد في قوله: {لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ، لأن ما بعد (إنْ) لا يعمل فيما قبله، ومن قرأ: (إِذا) على الخبر كان تقديره: لا نبعث إذا كنا ترابًا، لأنهم أنكروا البعث، فدل إنكارهم على هذا الحذف.
ومحل قوله: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا} إلى منتهى قولهم - وهو {جَدِيدٍ} - إما الرفع
على البدل من {قَوْلُهُمْ} في قوله: {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} ، أو النصب به، أعني بالقول، والمعنى: وإن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك فعجب أيضًا إنكارهم البعث وتكذيبهم إياه.
وقوله: {وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} الأغلال: جمع غل، وهو طوق تجمع فيه اليد إلى العنق.
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) } :
قوله عز وجل: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} (قبل) ظرف للاستعجال، وقد جوز أن يكون حالًا من (السيئة) ، وهي حال مقدرة، والمراد بالسيئة هنا: العقوبة المهلكة. وبالحسنة: العافية.
وقوله: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} الجمهور على فتح ميم المَثُلات وضم ثائها، وهي العقوبات، أي: وقد مضت عقوبات نظرائهم من المكذبين. واحدها المَثُلة بفتح الميم وضم الثاء كالجمع، كَسَمُرَةٍ وسَمُراتٍ.
وقرئ: (المَثْلات) بفتح الميم وإسكان الثاء، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها مخففة من الجمع المضموم المذكور آنفًا هربًا من ثقل الضمة مع توالي الحركات.