وينتظم الدليل هكذا: الله - عز وجل - يريد المعاصي، وكل ما أراده الله - عز وجل - لا مرد له فالله عز وجل إذا أراد المعصية من قوم فلا مرد لها، وحينئذ تصير واجبة منهم، وذلك المراد بخلقه إياها، أو هكذا المعاصي مراد الله، وذلك مراد لله [فلا مرد له] فالمعاصي لا مرد لها. والخصم ينازع في المقدمة الأولى.
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ} (12) [الرعد:
12]قيل: هو سوط ملك السحاب إذا ساقه به، أو (وري) النار، وعند الحكماء هو نار أو نور يحصل باصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض، والسحاب عندهم بخار ودخان يحتقن في الأرض/ [242/ل] والجبال؛ فيندفع خارجا؛ فتحمله الريح صاعدا، فإذا لقي
برد الهواء اجتمع وتكاثف؛ ثم انعصر؛ فنزلت رطوبته مطرا، والصواعق نار تتكون عن الدخانية المتراقية من الأرض.
{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ} (14) [الرعد: 14] أي هو المدعو إلها حقا لا غيره، وما دعي من دونه كالأصنام ونحوها ليست آلهة؛ لأنها لا تستجيب ولا تنفع، وقد سبق نظم الدليل على ذلك.
{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ} (16) [الرعد: 16] يحتج بعمومه على أنه - عز وجل - خالق الأفعال من خير وشر وطاعة ومعصية، وتقريره أن أفعال العباد شيء، وكل شيء مخلوق لله - عز وجل -؛ فأفعال/ [122 ب/م] العباد مخلوقة لله - عز وجل - والخصم يدعي تخصيص الثانية بما سوى المعاصي بدليله العدلي زعم، والصواب طرد العموم فيها، تصحيحا لرأي الجمهور.