غير أن هذه المفاعلة التي أحدثها المتن القرآني، بوصفه نصاً إعجازياً زاخماً بالدلالات الكونية واللغوية والإنسانية ذات العمق الحضاري البعيد، تنبجس منه استشرافات التطلع الحضاري الفعال، في معطياته المختلفة، العاملة على نقل الذهنية العربية وإخراجها من ترسباتها المتنوعة لمعانقة النص الإلهي بدءاً بذهنية العصر الجاهلي، إلى تعاقب العصور اللاحقة لتبقى موصولة بالإحساسات الجمالية الفطرية التي أكسبها إياها هذا النص المقدس الذي أحدث"انقلاباً في الأدب العربي بتغييره الأداة الفنية في التعبير، فهو من ناحية قد جعل الجملة المنظمة في موضع البيت الموزون وجاء من ناحية أخرى بفكرة جديدة أدخل بها المفاهيم وموضوعات جديدة لكي يصل العقلية الجاهلية بتيار التوحيد".
فالواقع أن الحداثة - بكلياتها الحضارية والجمالية - تبدأ من لحظة التنزيل، اللحظة التغيير ذات الأبعاد الآفاقية المبطّنة بمستقبل هلامي مشرق، اللحظة القطيعة، الأمر الذي جعل بعض الشعراء يقلع عن قول الشعر، والشيء الذي كان أيضاً سبباً في ظهور المعارضة القرآنية التي هي منافسة إيجابية من منظور نقدي.
ولقد استمرت هذه الاستفادة الأدبية والنقدية من حقل المتنية القرآنية إلى عصور لاحقة. وحتى في المجال الشعري ألفينا بعض الشعراء منجذباً إلى النص القرآني واعتباره النموذج المحتذى فيقول:
"وذوو المنابر والعساكر والدساكر والحضائر والمدائن والقرى."
وذوو المواكب والكتائب والنجائب والمراتب والمناصب في العلى"."
غير أن الاحتذاء أو التماسية القرآنية لم تتجاوز حدود تركيب قرآني واحد.
"وكل الاعتبارات الفنية التي بدأت منذ القرن الرابع الهجري والتي كانت تقوم بدور مهم في نظرية الإعجاز، قد بدأت من تفهم الأسلوب القرآني، ولم تذهب إلى ما وراء التحليل الشكلي البتة".