* وأمَّا يونس: فلمَّا حبس أقر بالظلم على نفسه فقال: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] ولما ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدحه الله بقوله: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] ليعلم أن من مدح نفسه فهو مذموم، ومن ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدح إبليس نفسه فقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 12] ذمه الله تعالى بقوله: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] فلمَّا ذم آدم نفسه بقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] مدحه الله تعالى {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 122] وكذا الكفار مدحوا أنفسهم فقالوا: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} [الأنعام: 53] فذمهم الله بقوله: {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6] ولمَّا ذم المؤمنون أنفسهم بقولهم: {ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [الأعراف: 147] مدحهم الله تعالى بقوله: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} [التوبة: 112] .
*وأما الدنيا فإنها سجن المؤمن وإن كان غنياً متنعماً فيها، فذلك بالإضافة إلى نعيم الجنة سجن وأن الكافر وإن كان فقيراً فذلك بالإضافة إلى عذاب الآخرة جنة.
وقيل: سميت الدنيا سجن المؤمن؛ لأن من سجن فإنه يقدم ما معه إلى بيته، والمؤمن ينبغي أن يقدم ما معه إلى داره وهي الآخرة.
* ولأن المسجون أبداً يلزم نفسه ويقول: مالي ولهذا العصيان، والمؤمن يقول: مالي وزخارف الدنيا وغرورها ومكرها.
* ولأن المسجون ممنوع من مراده ومقصوده كما شاء، فكذا المؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه البطالة.
* ولأن المسجون يخاف كل ساعة أنه يخرج ويقام عليه الساسة، والمؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه إلى القيامة ويقام عليه ما يستحقه.