{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54] ، ويشير إلى أن ملك الروح لمَّا وقف على حسن استعداد يوسف القلب، وأن له اختصاصاً بالله في علم تأويل ما يرى الروح ما أراه الحق تعالى من مكنونات الغيب، ولم يعلم حقيقته إلا أن يؤوله له القلب له بما خص الله تعالى القلب بالنظر إليه، وهو ينظر بنور الله الذي هو من خصوصيته نظر الله تعالى إليه فيرى حقائق الأشياء بالنور، فالروح تسعى في خلاص القلب عن سجن صفات البشرية؛ ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لإصلاح جميع رعايا مملكته روحانية وجمسانية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا أصلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب".
وللقلب اختصاص آخر بالله تعالى دون سائر المخلوقات فهو به خالصته للحق دون الخلق وهو قوله:"لا يسعني أرضي ولا سمائي، وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"وهذا كما كان حال ملك مصر مع يوسف لمَّا رأى أن له علم تأويل رؤياه الذي هو بمعزل عن عمله قال: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 54] لمَّا علم أنه خلق لإصلاح جميع رعاياها ملك مصر وغيرها، وهو خالصة الله تعالى لا يصلح أن يكون خالصة للملك، ولكن الله تعالى استحسن من الملك إحسانه مع يوسف واستخلاصه من السجن، فما أحسن إليه بأن رزقه الإيمان، واستخلصه من سجن الكفر والجهل، وجعله خالصته بحضرته بالعبودية، وترك الدنيا وزخارفها، وطلب الآخرة ودرجاتها.