قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً، إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.
أي: قال هود - عليه السلام - للطغاة من قومه بعزة وثقة إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ الذي لا رب سواه على براءتي من عبادتكم لغيره.
وَاشْهَدُوا أنتم أيضا على أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ.
أي: على براءتي من كل عبادة تعبدونها لغير الله - تعالى - لأنها عبادة باطلة. يحتقرها العقلاء، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه.
فأنت تراه في هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم، وبراءته من شركهم، واستخفافه
بأصنامهم التي زعموا أن بعضها قد أصابه بسوء، ويوثق هذه البراءة بإشهاد الله - تعالى - وإشهادهم.
وذلك كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به: أشهد الله وأشهدك على أنى فعلت بك كذا وكذا، وقلت في حقك كذا وكذا ... فافعل أنت ما بدا لك!! ثم ينتقل من براءته من شركهم، إلى تحديهم بثقة واطمئنان فيقول: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ.
أي: لقد أعلنت أمامكم بكل قوة ووضوح أنى برئ من شرككم، وها أنذا في مواجهتكم، فانضموا إلى آلهتكم، وحاربونى بما شئتم من ألوان المحاربة والأذى بدون تريث أو إمهال، فإنى لن أكف عن الجهر بدعوتي، ولن أتراجع عن احتقار الباطل الذي أنتم عليه.
وهذا - كما يقول صاحب الكشاف - من أعظم الآيات، أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه، يرمونه عن قوس واحدة وذلك لثقته بربه، وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم .. .
ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذي دعاه إلى البراءة من شركهم، وإلى عدم المبالاة بهم فقال - كما حكى القرآن عنه - إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ....