فإن قلت: ما معنى تكرير التنجية ؟ فالجواب: لا تكرير فيه ؛ لأن الأول إخبار بأن نجاتهم برحمة الله وفضله ، والثاني بيان ما نجوا منه ، وأنه أمر شديد عظيم لا سهل ، فهو للامتنان عليهم ، وتحريض لهم على الإيمان . أو الأول إنجاء من عذاب الدنيا ، والثاني من عذاب الآخرة ، تعريضاً بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ . ويرجح الأول بملاءمته لمقتضى المقام .
القول في تأويل قوله تعالى:
{وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [59] .
{وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} تأنيث اسم الإشارة باعتبار القبيلة . وصيغة البعيد لتحقيرهم ، أو لتنزيلهم منزلة البعيد ؛ لعدمهم . وإذا كانت الإشارة لمصارعهم ، فهي للبعيد المحسوس ، وتعدى الجحود بالباء حملاً له على الكفر ؛ لأنه المراد . أو بتضمينه معناه ، كما أن (كفر) جرى مجرى (جحد) . فتعدى بنفسه في قوله: {كَفَرُوا رَبَّهُمْ} [هود: 60] . وقيل: (كفر) ك-: (شكر) يتعدى بنفسه وبالحرف . وظاهر كلام القاموس: أن (جحد) كذلك .
والمعنى: كفروا بالله ، وأنكروا آياته التي في الأنفس والآفاق الدالة على وحدانيته . وجمع (الرسل) مع أنه لم يرسل إليهم غير هود عليه الصلاة والسلام ؛ تفظيعاً لحالهم ، وإظهاراً لكمال كفرهم وعنادهم ، ببيان أن عصيانهم له عليه الصلاة والسلام عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين ؛ لاتفاق كلمتهم على التوحيد: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: من الآية 285] كذا في"العناية"وأبي السعود .
{وَاتَّبَعُواْ} أي: أطاعوا في الشرك: {أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} لا يستدل بدليل ، ولا يقبله من غيره . يريد: رؤساءهم وكبراءهم ، ودعاتهم إلى تكذيب الرسل .