28 - {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} :
في هذه الآية وما يليها يرد نوح عليه السلام على الأسباب التي استند إِليها قومه في تبرير كفرهم - ويرد في رفق وأناة - ويجادلهم بالتي هي أحسن، رجاءَ أن يفيئوا إلى الصواب.
والمعنى: يا قوم إني لا أزعم أنى أمتاز عليكم فإننى بشر مثلكم، ولكن أخبرونى عن رأيكم فيما أعرضه عليكم: إن الله سبحانه قد هدانى إليه فآمنت به إيمانا راسخا ثابتا معتمدا على الحجة والبينة الظاهرة، وتفضل على بنعمة خصنى بها من عنده وهي الرسالة، وأمرنى بإبلاغها إليكم تفضلا منه عليكم، وقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة فخفى أمرها عليكم حين بادرتهم إلى تكذيبها دون تدبر أو تأمل، فأخبرونى ماذا أفعل لكم أنا ومن معى من المؤمنين بعد ذلك؟ أنرغمكم على العمل بشريعة الله التي رحمكم بها وأنتم لها كارهون.
وعاد نوح فذكرهم بأنهم قومه قائلًا:
29 - {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ} : أَي يا قوم إننى لا أُريد منكم مالا على أَداءِ هذه الرسالة، فما أَجرى إِلا على الله وحده فما بالكم ترفضون ما دعوتكم اليه من الحق، وهذا الذي قاله نوح لقومه من الأُسس الهامة التي تقوم عليها دعوات المرسلين، وينبغي أن تكون قدوة لجميع الدعاة والمصلحين، فإِن الدعوة للإصلاح إذا تجردت عن المطامع الذاتية، تكون أَدعى للاستجابة إليها، واستمالة القلوب نحوها وفي ذلك يقول الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} .
{وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} : هذا جواب عما طلبوه منه من طرد الفقراءِ بقولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} كأَنهم يرحون إليه بطردهم والتبرؤ منهم.