أي فتحدث زعماءُ قوم نوح الذين كذبوا رسالته قائلين له: ما أثبت إلا بشر مشابه لنا في البشرية لا ميزة لك علينا، فكيف نستجيب لك ونتبعك؟ وقد فاتهم أَن البشر لا يقدرون على الأَخذ من الملائكة ولا يستطيعون لقاءهم، وأنهم لو جعلوا في صورة البشر لالتبس الأمر على من أُرسلوا إليهم، كما فاتهم أن البشرية ليست على مستوى واحد، فهي تعلو حتى تفوق الملائكة، وتهبط حتى تصل إلى درك الشياطين.
ثم عللوا تكذيبهم بسبب ثان فقالوا:
{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} : أي ولا نعلم أحدًا اتبعك من الزعماء والأشراف، بل اتبعك الضعفاء والفقراءُ وقد اتبعوك دون روية أو تفكير، لأنهم لا يحسنون التدبر في الأُمور.
{وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} : أي وما نعلم لك ولمن اتبعك مزية ولا فضلا في أي شأن حتى نترك مكانتنا في الرياسة والزعامة وننقاد لكم.
ثم ختموا اعتراضهم على رسالته بقولهم له:
{بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} : أي بل نعتقد أنكم مفترون فيما زعمتموه لأنفسكم من فضل: والظن هنا بمعنى الاعتقاد كما جاء في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُورَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}
المفردات:
{أَرَأَيْتُمْ} : أخبرونى عن رأْيكم. {بَيِّنَةٍ} : حجة قوية واضحة. {رَحْمَةً} : نعمة.
والمراد بها هنا نعمة النبوة والرسالة. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} : أنكرهكم على اتباعها.
{فَعُمِّيَتْ} : أُخفيت عليكم فلم تدركوها.
التفسير